حرب البذور والجينات.. هل تستحق الدول الفقيرة تعويضا عن استغلال نباتاتها؟
تخيل أن هناك نباتاً نادراً ينمو في قرية صغيرة بدولة نامية، يستطيع علاج مرض خطير. في الماضي، كان يجب على أي شركة أجنبية أن تسافر إلى هذه القرية، وتأخذ عينة من النبات لتعمل عليها.
أما اليوم، فكل ما تحتاجه الشركة هو الدخول إلى الإنترنت، ونسخ الشفرة الجينية لهذا النبات، وتصنيع دواء بمليارات الدولارات، دون أن تدفع للقرية صاحبة الأرض سِنتًا واحداً!
يعد هذا المثال التقريبي، توضيحا لما يبدو أنه "حرب صامتة" تدور الآن في أروقة الأمم المتحدة، ضمن نزاع"البيانات الجينية الرقمية"، والتي ستكون محل الصراع الرئيسي في مؤتمر المناخ والتنوع البيولوجي المقبل في أرمينيا.
ويتمحور الصراع حول البيانات الجينية للنباتات، هل تمثل ثروة ينبغي أن تترجم إلى منافع للدول، أم أنها علوم لا ينبغي أبدا كتمانها أو إخضاعها لأي معادلة مادية؟
حفظ الموارد الجينية
مع تزايد القلق حول فقدان التنوع الوراثي للمحاصيل الزراعية، بدأت المفاوضات حول كيفية التعامل مع بذور المحاصيل والمواد الجينية داخل منظمة الأغذية والزراعة، وأخيرًا خرجت إلى النور "المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة" (ITPGRFA)، وتهدف إلى حفظ الموارد الجينية النباتية المهمة للغذاء والزراعة واستخدامها بصورة مستدامة، بشرط تقاسم المنافع الناتجة عن استخدامها بصورة عادلة.
وقد دخلت المعاهدة حيز التنفيذ عام 2004، والتزمت الحكومة النرويجية في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه بتمويل بناء "قبو سفالبارد العالمي للبذور"، ليكون أكبر مستودع عالمي للبذور، ويحتفظ بنسخ احتياطية من بذور المحاصيل الزراعية التي تتمتع بتسلسلات جينية فريدة.
والغرض من هذا المستودع هو حفظ أكبر عدد ممكن من البذور استعدادًا لأي كارثة طبيعية أو مناخية أو بشرية قد تهدد الأمن الغذائي العالمي. ووقع الاختيار على جزيرة سبيتسبرغن، وهي أكبر جزيرة في أرخبيل سفالبارد التابع للنرويج. ويُعرف ذلك المستودع أيضًا بـ"قبو يوم القيامة".
لكن ما الفرق بين قبو سفالبارد العالمي للبذور وبنوك الجينات؟ حسنًا، بينما يعمل قبو سفالبارد العالمي للبذور كنسخة أمان احتياطية تحمي تلك العينات من الكوارث المحتملة، فإن بنوك الجينات حول العالم تحفظ العينات المختلفة، وبالتالي تحافظ على التنوع الجيني وتجعله متاحًا للباحثين.
بيانات أم مادة؟
عندما يحلل الباحثون عينات المحاصيل باستخدام تقنيات التسلسل الجيني، تنتج ملفات رقمية تحتوي على: ترتيب قواعد الحمض النووي (DNA)، وهي: الأدنين (A)، والجوانين (G)، والثايمين (T)، والسيتوزين (C)، إضافة إلى معلومات عن الجينات المسؤولة عن إظهار أو إخفاء صفات معينة، ومعلومات حول التنوع الجيني بين الأصناف. ثم تُتاح تلك البيانات رقميًا، فتُسمى بـ"معلومات التسلسل الرقمي" (DSI)، وتُعرف أيضًا بـ"البيانات الجينية الرقمية".
ويشير مصطلح "معلومات التسلسل الرقمي" إلى البيانات الرقمية للمواد الجينية والبيولوجية، والتي تتضمن تسلسلات الحمض النووي (DNA)، والحمض النووي الريبي (RNA). وتُتاح تلك البيانات في قواعد بيانات عالمية يسهل الوصول إليها، ما يقلل الاعتماد على العينات المادية.
على سبيل المثال، إذا أراد باحث في الصين إجراء بحث على المستوى الجيني لنبات في الولايات المتحدة، يستطيع فعل ذلك ببساطة من خلال البيانات الجينية المتاحة رقميًا حول ذلك النوع من النبات، من دون الحاجة إلى عينة مادية من النبات.
معضلة تقاسم المنافع
وفي إطار اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)، تبرز معلومات التسلسل الرقمي كإحدى القضايا المثيرة للجدل، وتواجه العديد من التحديات القانونية، إذ تنقسم الأطراف حول "نظام الحصول وتقاسم المنافع" (ABS) في إطار اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناغويا، خاصة أن اتفاقية التنوع البيولوجي قد صُممت في الأساس لتنظيم استخدام الموارد الجينية المادية، في حين أن التكنولوجيا اليوم تدعم الوصول إلى المعلومات الجينية الرقمية من دون الحاجة إلى العينات الأصلية.
ومن هنا، تنشأ التحديات والجدالات بين الأطراف في مؤتمرات الأطراف في إطار اتفاقية التنوع البيولوجي، حيث تطالب الدول النامية بإدخال معلومات التسلسل الرقمي ضمن قواعد تقاسم المنافع، لأن البيانات المشتقة تعود إلى الموارد الجينية للأنواع الموجودة أصلًا في أراضيها. بينما ترى الدول المتقدمة، ويتفق معها بعض الباحثين، أن فرض القيود على استخدام معلومات التسلسل الرقمي قد يؤثر سلبًا على التقدم والتعاون البحثي العالمي. لذلك، يجب أن تظل تلك البيانات والمعلومات مفتوحة المصدر، ولا تخضع لأي قيود.
وللتوضيح بخصوص نظام الوصول وتقاسم المنافع، فهو إطار دولي يشير إلى كيفية الوصول إلى الموارد الجينية، وكيفية تقاسم المنافع الناتجة عن استخدامها بين الأفراد أو الدول (الجانب المستفيد)، والأفراد أو الدول الموفرة لها (الجانب الموفر). وعادة ما يكون موفرو الموارد الجينية هم الحكومات أو هيئات المجتمع المدني أو المجتمعات المحلية داخل الدولة، ويحق لهم توفير الوصول إلى الموارد الجينية وتقاسم المنافع الناتجة عن استخدامها.
وفي إطار اتفاقية التنوع البيولوجي، فقد صُممت أحكام وقواعد الوصول وتقاسم المنافع لضمان تيسير الوصول المادي إلى الموارد الجينية، وتقاسم المنافع الناتجة عن استخدامها بصورة عادلة مع الموفرين.
على سبيل المثال، إذا أرادت دولة ما إجراء تجارب مخبرية على نوع معين من النباتات في دولة أخرى، وحصلت على إذن للحصول على العينات، وأجرت التجارب وخرجت بمنافع أو اكتشافات جديدة، يحق للدولة الموفرة للنباتات أن تحصل على حق الاستفادة من تلك الاكتشافات. وقد تكون الفوائد المتبادلة مالية أو تطوير مهارات البحث والمعارف للدولة الموفرة للنبات للاستفادة منه، وهكذا.
تحديات قانونية
ولاستكشاف آفاق هذه التحديات القانونية، راسلت "العين الإخبارية"، المكتب الإقليمي للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة لغرب آسيا (IUCN)، والذي أوضح في رده أنه "لا يوجد حتى الآن تعريف قانوني متفق عليه عالميًا لمعلومات التسلسل الرقمي، ما يخلق حالة من عدم اليقين بشأن ما إذا كانت هذه المعلومات تشمل تسلسلات النيوكليوتيدات فقط، أم تشمل أيضًا البروتينات والبيانات الوصفية ومخرجات البيولوجيا التركيبية والبيانات المستمدة من الذكاء الاصطناعي".
وتنشأ أيضًا تحديات بسبب ضعف إمكانية التتبع، فبحسب رد المكتب الإقليمي للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة لغرب آسيا لـ"العين الإخبارية": "يمكن تنزيل البيانات الجينية الرقمية ونسخها وتعديلها وإعادة استخدامها عبر قواعد بيانات وولايات قضائية متعددة، ما يصعب تتبع كيفية استخدام البيانات ومن يحق له تقاسم المنافع".
وأضاف المكتب أن أحد أبرز التحديات هو "مشاكل بلد المنشأ، إذ لا تتضمن العديد من سجلات التسلسل معلومات كاملة أو موثوقة عن بلد المنشأ، ما يضعف تقاسم المنافع القائم على المنشأ ويخلق صعوبات للدول المصدرة. كما أنه من غير الواضح متى تنشأ الالتزامات القانونية، فقد تكون مرتبطة بالوصول إلى البيانات أو استخدامها في البحوث أو براءات الاختراع أو التسويق، أو بيع المنتج النهائي".
المواءمة
ويوضح أيضًا المكتب الإقليمي للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة لغرب آسيا أنه يتعين على الدول مواءمة قوانينها المحلية المتعلقة بتقاسم المنافع مع آلية المعلومات العلمية الرقمية متعددة الأطراف التابعة لاتفاقية التنوع البيولوجي. فبدون هذه المواءمة، قد يواجه المستخدمون التزامات قانونية مكررة أو مجزأة أو غير واضحة.
ويؤكد أن "الوصول المفتوح إلى المعلومات العلمية الرقمية أمر بالغ الأهمية للبحث العلمي، والحفاظ على البيئة، والصحة، والابتكار. ومع ذلك، فإن الاستخدام التجاري غير المقيد دون تقاسم المنافع قد يقوض الإنصاف بموجب اتفاقية التنوع البيولوجي".
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، التي شاركت بقوة خلال السنوات الأخيرة، سواء في مفاوضات العمل المناخي أو البيئي بصورة عامة، نظرًا لفعاليتها ونشاطها وخبراتها الفريدة في التعامل مع الطبيعة من حولها بحكم الخبرات المتراكمة على مدار الأجيال المتعاقبة، وهي خبرة خالصة من العيش مع الطبيعة في تناغم وانسجام.
وفي هذا الصدد، أوضح المكتب الإقليمي للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة لغرب آسيا دورهم المهم في دعم المعلومات والبيانات الرقمية: "قد ترتبط المعلومات العلمية الرقمية بالمعارف التقليدية أو الأراضي العرفية أو الأنواع ذات الأهمية الثقافية. لذا، ينبغي للأنظمة القانونية حماية الموافقة والحقوق وسيادة البيانات وتقاسم المنافع بشكل عادل".
لكن ما زالت هناك مخاوف من ضعف تقاسم المنافع، إذ تعتمد فعالية صندوق كالي وغيره من تدابير تقاسم منافع المعلومات العلمية الرقمية على التنفيذ الوطني. وبحسب المكتب الإقليمي للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة لغرب آسيا : "بدون التزامات واضحة للمستخدمين وآليات امتثال فعالة، قد يظل تقاسم المنافع ضعيفًا".
في CBD COP17
نظرًا للمعضلات والتحديات القانونية حول مبدأ الوصول وتقاسم المنافع في إطار اتفاقية التنوع البيولوجي، يزداد الجدل حول توظيف البيانات الرقمية وتحقيق التعاون الدولي المرجو، خاصة أن الأمر يتعلق بصورة كبيرة بتضارب المصالح بين الدول، فكل دولة تفضل أن تستفيد من مواردها بأقصى درجة ممكنة.
لذلك، من المقرر أن تناقش الدول في الدورة السابعة عشرة من مؤتمر الأطراف للتنوع البيولوجي (CBD COP17)، والمقرر عقده في يريفان بأرمينيا بين يومي 19 و30 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، نظام الحصول وتقاسم المنافع أثناء الاجتماع السادس للأطراف في بروتوكول ناغويا (NP-MOP 6)، والمقرر انعقاده بالتوازي مع مؤتمر (CBD COP17)، وهو الإطار الرسمي لمناقشة قضايا الحصول وتقاسم المنافع.
وهذا يعني أن المناقشات ستتطرق أيضًا إلى المناقشات حول تقاسم المنافع الناشئة عن استخدام معلومات التسلسل الرقمي للموارد الجينية، ولأنه من أكثر الملفات تعقيدًا في مفاوضات التنوع البيولوجي خلال السنوات الأخيرة، فمن المتوقع أن تنشأ الخلافات بين الأطراف حول تلك القضية.