شراكة الفوضى.. تحالف الحوثي والقراصنة تهديد يتجاوز الأمن إلى الاقتصاد
تطور أمني مقلق في البحر الأحمر وخليج عدن، أعاد إلى الواجهة واحدة من أخطر أزمات الملاحة الدولية، مع بروز مؤشرات متزايدة على تشكل تحالف عملياتي بين قراصنة صوماليين ومليشيات الحوثي.
مشهد أعاد إحياء نماذج القرصنة التي ظن المجتمع الدولي أنه نجح في احتوائها قبل أكثر من عقد.
وجاءت حادثة اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل محافظة شبوة اليمنية لتكشف بوضوح عن هذا التحول، بعدما أعلن خفر السواحل اليمني تعرض السفينة لعملية سيطرة مسلحة قبل توجيهها نحو خليج عدن، بينما تتواصل الجهود لتحديد موقعها واستعادتها، وفقا لشبكة فوكس نيوز.
هذه الحادثة لا تُقرأ باعتبارها مجرد عملية قرصنة تقليدية، بل بوصفها مؤشرًا على إعادة تشكيل موازين التهديد البحري في واحد من أهم الممرات التجارية في العالم.
فالبحر الأحمر، الذي تمر عبره سنويًا تجارة تتجاوز قيمتها تريليون دولار، بات يواجه اليوم نمطًا أكثر تعقيدًا من التهديدات، يجمع بين القدرات العسكرية غير النظامية التي يمتلكها الحوثيون والخبرة العملياتية المتراكمة لدى الجماعات الصومالية في تنفيذ عمليات الاختطاف والابتزاز البحري.

ووفقا لتقديرات أمنية متخصصة، يعكس هذا التنسيق تحولًا نوعيًا في طبيعة المخاطر البحرية بالمنطقة.
ويقول خبراء الأمن البحري، إن هذا التنسيق يوفر للحوثيين بنية دعم تقنية ولوجستية تشمل أنظمة تتبع متقدمة ومعلومات استخباراتية ميدانية، بينما تتولى مجموعات القرصنة الصومالية التنفيذ المباشر عبر الزوارق السريعة وفرق الاقتحام المدربة على السيطرة على السفن التجارية.
هذا النموذج الهجين يعيد إحياء ما يُعرف بـ«النموذج الصومالي» الذي ازدهر خلال العقد الأول من القرن الحالي، حين كانت السفن المختطفة تُقاد إلى مرافئ آمنة على السواحل الصومالية، ليبدأ بعدها مسلسل المفاوضات الطويلة حول الفدية.
خطورة هذا التطور تتضاعف بفعل التحولات الجيوسياسية في مسارات الطاقة الإقليمية. فالتوترات المتصاعدة في مضيق هرمز دفعت السعودية، على سبيل المثال، إلى تحويل كميات متزايدة من صادراتها النفطية عبر خط الأنابيب الشرقي-الغربي وصولًا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما أدى إلى زيادة كثافة حركة ناقلات النفط في هذا المسار.
وبالتوازي مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، باتت أي عملية اختطاف ناجحة تحمل عائدًا ماليًا ضخمًا، سواء من خلال الفدية المباشرة أو من خلال السيطرة على شحنات قد تبلغ قيمتها عشرات الملايين من الدولارات.
التصعيد الحالي لم يعد مجرد احتمال نظري، بل تحول إلى واقع ميداني موثق. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة هجمات متتابعة دفعت جهات دولية متخصصة إلى رفع مستوى التهديد في المياه المقابلة للسواحل الصومالية إلى مستوى «مرتفع».
وشملت هذه الهجمات استهداف قوارب صيد وناقلات نفط وسفن شحن تجارية، في مؤشر واضح على عودة نشاط القرصنة المنظمة بعد سنوات من التراجع النسبي الذي تحقق بفضل الانتشار البحري الدولي المكثف.
غير أن المتغير الأخطر يكمن في أن انشغال القوات البحرية الدولية خلال الأشهر الماضية بالتصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الحوثية أوجد، وفق خبراء، فراغًا أمنيًا استغلته شبكات القرصنة لإعادة التموضع والتوسع.

وفي الوقت الذي تركز فيه القطع البحرية الغربية على مواجهة التهديدات الجوية والصاروخية، وجدت الزوارق الصغيرة مساحة حركة أوسع في المياه المفتوحة، مما سمح بإعادة تنشيط شبكات كانت قد تراجعت إلى حد كبير.
تكمن أهمية البحر الأحمر في كونه أحد أكثر شرايين التجارة الدولية حساسية، إذ تمر عبره ما بين 12 و15% من حركة التجارة العالمية، إلى جانب نحو ثلث حركة الحاويات البحرية الدولية، فضلًا عن كميات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي المسال، فيما ينعكس أي اضطراب مستدام في هذا الممر مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة والتأمين البحري.
والرسالة التي يفرضها هذا المشهد تبدو واضحة، وهي أن المقاربات الأمنية التقليدية لم تعد كافية. فالتعامل مع تهديد مركب يجمع بين الفاعلين المسلحين غير الحكوميين وشبكات الجريمة المنظمة يتطلب إعادة صياغة شاملة لاستراتيجيات الأمن البحري، تقوم على الرصد الاستباقي والتنسيق الاستخباراتي وتوسيع نطاق الردع قبل وصول الخطر إلى السفن نفسها.