بعد أكثر من 15 عاماً على الشرارة الأولى للاحتجاجات السورية، عاد اسم عاطف نجيب إلى الواجهة مجدداً، لكن هذه المرة من داخل قفص الاتهام، بعدما وجّه إليه القضاء السوري اتهامات بارتكاب انتهاكات «ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» خلال أحداث درعا عام 2011.
وفي مشهد يحمل دلالات رمزية كبيرة في مسار العدالة الانتقالية بسوريا، مثل نجيب، ابن خالة بشار الأسد والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، الأحد أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ضمن محاكمات تطال مسؤولين بارزين من النظام السابق.
«كنت الآمر الناهي»
وخلال الجلسة التي بث التلفزيون السوري الرسمي جزءاً منها، تلا القاضي فخر الدين العريان ملخص الاتهامات الموجهة إلى نجيب، قائلاً إن الملف يرتبط بالأحداث التي شهدتها محافظة درعا مطلع عام 2011، عندما «قوبل الحراك السلمي باستخدام القوة المفرطة».
واتهم القضاء السوري نجيب بتحمل «مسؤولية قيادية مباشرة ومشتركة» عن انتهاكات استهدفت مدنيين، شملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي.
وتضمنت لائحة الاتهام مسؤولية نجيب عن اعتقال وتعذيب أطفال بسبب «كتابات سياسية على الجدران»، إضافة إلى المشاركة في «قمع الاحتجاجات بالقوة المفرطة» وإطلاق النار المباشر على معتصمين داخل المسجد العمري، فضلاً عن «التعذيب المفضي إلى الموت» داخل مراكز الاحتجاز التابعة لفرع الأمن السياسي.
وقال القاضي مخاطباً المتهم: «كنت الآمر الناهي في محافظة درعا»، مضيفاً أن نجيب متهم بإصدار أوامر بالقتل والاعتقال والتعذيب، وبالمشاركة مع قيادات أمنية وعسكرية وسياسية ضمن «بنية هرمية منظمة» في ارتكاب الانتهاكات.
وأكدت المحكمة أن الأفعال المنسوبة إليه «ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».
من درعا بدأت القصة
ويرتبط اسم عاطف نجيب بشكل وثيق ببداية الاحتجاجات السورية في مارس/آذار 2011، عندما أوقفت الأجهزة الأمنية عدداً من الأطفال في درعا بعد كتابتهم شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم.
وأثارت حادثة اعتقال الأطفال وتعذيبهم موجة غضب واسعة في المدينة، قبل أن تتطور إلى احتجاجات شعبية سرعان ما امتدت إلى محافظات سورية أخرى.
كما اتهمت قوات الأمن آنذاك باستخدام القوة المفرطة والرصاص الحي لقمع المتظاهرين السلميين، خصوصاً خلال الاعتصامات التي شهدها المسجد العمري، الذي تحول لاحقاً إلى أحد أبرز رموز الاحتجاجات في بدايات الأزمة السورية.
وبعد اتساع الاحتجاجات، أُبعد نجيب عن منصبه، فيما فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في أبريل/نيسان 2011 بسبب ما وصفته بـ«انتهاكات حقوق الإنسان».
محاكمات لرموز النظام السابق
وتأتي جلسة محاكمة نجيب ضمن مسار «العدالة الانتقالية» الذي بدأته السلطات السورية الجديدة لمحاكمة مسؤولين من النظام السابق، حضورياً وغيابياً.
وكانت المحكمة قد عقدت أولى جلساتها في 26 أبريل/نيسان الماضي، فيما شملت قائمة المتهمين الغائبين كلاً من بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعدداً من أركان النظام السابق.
وخلال جلسة الأحد، أعلنت المحكمة الشروع في محاكمة المتهمين الفارين، مع تجريدهم من الحقوق المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة.
ويعد عاطف نجيب من أوائل المسؤولين الذين أوقفتهم السلطات الجديدة في يناير/كانون الثاني 2025، بعد أسابيع من إسقاط الحكم السابق.
وبعد تلاوة الاتهامات علناً، استمعت المحكمة إلى إفادات نجيب وعدد من الشهود، قبل أن تطلب من وسائل الإعلام مغادرة القاعة ووقف البث المباشر.