مكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي يكشف عن قمر تجسس «سري للغاية»
كشف مكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي، الذراع الاستخباراتية لوزارة الدفاع والمسؤول عن تشغيل أقمار التجسس، عن تفاصيل سرية
لبرنامج القمر الصناعي "جامبست"، أحد أكثر أنظمة جمع الاستخبارات الإلكترونية غموضًا في تاريخ الولايات المتحدة.
ويأتي هذا الكشف بعد عقود من التكهنات، ليسلط الضوء على برنامج لعب دورًا محوريًا في مراقبة القدرات العسكرية السوفياتية خلال أكثر مراحل الحرب الباردة توترًا، وفقا ما أورده موقع "تايم وور زون" المختص بالشؤون العسكرية.
القمر، المعروف داخليًا بالرمز إيه إف بي-711، خدم مجتمع الاستخبارات الأمريكي لمدة تقارب 35 عامًا، وخصص لمهام جمع الاستخبارات الإلكترونية، مستهدفًا منظومات الدفاع الجوي ومراكز القيادة والسيطرة السوفياتية، إضافة إلى رادارات الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية في أقصى شمال الاتحاد السوفياتي.
برنامج طويل العمر وسرية محكمة
امتد برنامج “جامبست” بين عامي 1971 و1987، وشهد ثماني عمليات إطلاق، إحداها باءت بالفشل. وقد طورت الأقمار الصناعية من قبل القوات الجوية الأمريكية ضمن “البرنامج إيه” التابع لمكتب الاستطلاع الوطني، وأُطلقت باستخدام صواريخ “تيتان 3 بي” المشتقة من تصميم الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، انطلاقًا من قاعدة فاندنبرغ الجوية في كاليفورنيا.
وأكد المكتب رسميًا أرقام المهمات من 7701 إلى 7708، منهياً سنوات من الجدل بين المحللين حول طبيعة بعض عمليات الإطلاق من فاندنبرغ، بعدما كان قد رُفع الستار سابقًا عن المهمتين الأولى والأخيرة فقط. ولا تزال تفاصيل عدد من المهمات خاضعة للتنقيح، في مؤشر على الحساسية المستمرة لبعض جوانب البرنامج.
مهام استخباراتية متعددة الطبقات
كقمر مخصص لجمع الإشارات، اضطلع “جامبست” بدور مركزي في مجال استخبارات الإشارات، لا سيما في فرعين أساسيين: استخبارات الاتصالات، عبر اعتراض الاتصالات اليومية بين الوحدات العسكرية، واستخبارات إشارات الأجهزة الأجنبية، من خلال تحليل الانبعاثات الكهرومغناطيسية لأنظمة الأسلحة، بما في ذلك بيانات قياس الصواريخ عن بعد، وإشارات الرادار والتتبع.
وساعدت هذه البيانات في بناء ما يُعرف بـ“الخريطة الإلكترونية” للخصم، أي تصور شامل للبنية التقنية والعسكرية للاتحاد السوفياتي، وتقييم التهديدات القائمة والناشئة بدقة غير مسبوقة في ذلك الوقت.
تصميم متقدم ومدار حاسم
صُنعت أقمار “جامبست” بواسطة شركة “هيوز”، واعتمدت هيكلًا دوارًا شبيهًا بأقمار الاتصالات المعاصرة مثل “إنتلسات-4”، وزُودت بهوائي طبق كبير قابل للطي لجمع البيانات، إلى جانب هوائي أصغر لإرسالها إلى المحطات الأرضية.

غير أن الابتكار الأبرز لم يكن في التصميم فقط، بل في المدار. فقد كان “جامبست” أول قمر أمريكي من الجيل الأول لجمع الإشارات يعمل في مدار بيضاوي شديد الانحراف، المعروف أيضًا بمدار “مولنيا”.
هذا المدار أتاح للقمر البقاء لفترات طويلة فوق المناطق القطبية الشمالية، وهي زاوية مثالية لمراقبة العمق السوفياتي ورادارات الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
وقال الدكتور جيمس أوتسن، مدير مركز دراسات الاستطلاع الوطني، إن “الأهمية التاريخية لجامبست لا يمكن التقليل من شأنها”، مشيرًا إلى أنه وفر للولايات المتحدة “موقعًا مداريًا فريدًا لجمع معلومات إلكترونية حيوية من الفضاء”.
جذور البرنامج وسياقه الاستراتيجي
جاء “جامبست” تتويجًا لسلسلة من برامج المراقبة الإلكترونية السابقة، مثل “غراب” و“بوبي” و“باركاي”، والتي عملت في مدارات أرضية منخفضة. إلا أن تصاعد المخاوف الأمنية بعد الحرب العالمية الثانية، وانتشار الأسلحة النووية، وإطلاق الاتحاد السوفياتي القمر “سبوتنيك-1”، فرض الحاجة إلى قدرات مراقبة أعمق وأطول زمنًا، ما أدى إلى تطوير مشروع “إيربوب، الذي انبثق عنه برنامج “جامبست”.
وأكد مكتب الاستطلاع الوطني أن القمر “أدى مهامه على أكمل وجه”، ولم يُخرج من بنية الاستخبارات الإلكترونية الأمريكية إلا في عام 2006، وهو عمر تشغيلي استثنائي في مجال الأقمار الصناعية الاستخباراتية.

من السرية إلى الفضاء التجاري
برر المكتب رفع السرية الجزئي عن البرنامج في هذا التوقيت بأن الكشف “لن يلحق ضررًا بالأنظمة الحالية أو المستقبلية”، كما يهدف إلى إبراز الدور الريادي الذي لعبه “جامبست” في تطوير تقنيات جمع الإشارات من المدارات العالية.
ورغم أن تفاصيل الأنظمة التي خلفت “جامبست” لا تزال سرية، وتشير تقارير غير مؤكدة إلى أن سلسلة أقمار “ترومبيت” قد تكون من بينها، فإن التحول الأبرز يتمثل في دخول القطاع التجاري بقوة إلى هذا المجال.
فقد أقر مكتب الاستطلاع الوطني بأن جمع الإشارات من الفضاء “لم يعد حكرًا على الحكومة”، مع تطوير شركات تجارية لأنظمة ذات قدرات مماثلة، وربما متفوقة.

ويفتح هذا التحول الباب أمام مستقبل تُستخدم فيه كوكبات ضخمة من مئات الأقمار الصناعية الصغيرة، شبيهة بشبكة “ستارلينك” ولكن مخصصة للاستشعار، لتوفير مراقبة إلكترونية شبه مستمرة لكامل الكرة الأرضية.
ورغم التحديات التقنية المرتبطة بصغر حجم الهوائيات، فإن السعي الأمريكي لنشر أصول فضائية أكثر عددًا وأسرع استجابة بات أولوية استراتيجية، في مواجهة تصاعد التهديدات من قوى منافسة مثل روسيا والصين.
ومهما كانت التقنيات التي تعمل اليوم أو ستُكشف في المستقبل، فإنها تدين بالكثير للبرنامج السري الذي وضع الأسس العملياتية والتقنية لجمع الإشارات من المدارات العالية. ففي تاريخ الاستخبارات الفضائية الأمريكية، يبقى “جامبست” حجر الزاوية الذي نقل المراقبة الإلكترونية من حدود الأرض إلى آفاق الفضاء العميق.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز