نخبة التكنولوجيا ترسم مستقبل «الإنسانية المعززة»
تحدث تحليل نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية عن مجموعة معتقدات جديدة توحّد بعض أغنى رجال في العالم.
هذه المعتقدات تتعلق بمستقبل "ما بعد الإنسان"؛ تزايدت أفكار في أوساط بعض قادة شركات التكنولوجيا الكبرى في وادي السيليكون تدعو إلى تجاوز الحدود البيولوجية للإنسان والاندماج مع الذكاء الاصطناعي، في توجه يثير نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل البشرية ودور التكنولوجيا في إعادة تشكيلها.
ويشير مراقبون إلى أن عدداً من الشخصيات البارزة في قطاع التكنولوجيا تتبنى رؤى تقوم على أن التطور التقني قد يقود مستقبلاً إلى ظهور أشكال جديدة من الوعي أو الكيانات الرقمية القادرة على تجاوز القدرات البشرية التقليدية. وتندرج هذه التصورات ضمن ما يُعرف بأفكار "الترانسهيومانية" أو "الإنسانية المعززة بقدرات وتقنيات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي"، التي تدعو إلى استخدام التكنولوجيا لتطوير الإنسان بيولوجياً وعقلياً وربما تجاوز طبيعته الحالية بالكامل.
تصميم المستقبل
وقال التحليل إن الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي"، سام ألتمان، لجأ إلى الإنترنت قبل بضع سنوات ليقترح أن الإنسان العاقل (Homo sapiens) سيكون أول نوع يصمم نسله الخاص بالاندماج "بين البشر والذكاء الاصطناعي" والذي سيحدث في وقت ما خلال الخمسين سنة القادمة.
وفي وقت لاحق، قال أغنى رجل في العالم على منصته للتواصل الاجتماعي "إكس"، إيلون ماسك، إنه "يبدو بشكل متزايد أن البشرية هي ما يساوي نقطة انطلاق بيولوجية للذكاء الفائق الرقمي.. أي أن دورنا في تاريخ الكون يختزل إلى كونه الشيفرة منخفضة المستوى التي تُشغّل الحاسوب قبل أن تتمكن من تشغيل البرامج المتقدمة".
وتستند هذه الرؤى إلى فرضية مفادها أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح في مرحلة ما أكثر تطوراً من الإنسان، وأن العلاقة بين الطرفين قد تتحول من مجرد استخدام للأدوات التقنية إلى شكل من أشكال الاندماج أو الانتقال نحو وجود رقمي جديد.
ويرى مؤيدو هذه التوجهات أن التقدم في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة العصبية قد يفتح الباب أمام إطالة العمر، وتعزيز القدرات الإدراكية، وربما نقل بعض جوانب الوعي البشري إلى أنظمة رقمية متقدمة. كما يربط بعضهم هذه الأفكار بمشروعات طويلة الأمد تتعلق باستكشاف الفضاء وتوسيع نطاق الوجود البشري خارج الأرض.
انتقادات متزايدة
في المقابل، يثير هذا التوجه انتقادات متزايدة من أكاديميين ومفكرين وخبراء في التكنولوجيا، الذين يحذرون من أن التركيز على تصورات مستقبلية بعيدة قد يأتي على حساب معالجة التحديات الحالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل فقدان الوظائف، واتساع الفجوة الاقتصادية، وتركز النفوذ التقني في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد.
وكتب الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل دارون عجم أوغلو: “القلة القليلة من الأشخاص الذين يطلقون هذه التكنولوجيا في العالم يسترشدون بأيديولوجيا السيطرة (على البشرية) وبقناعة أن الآلات أفضل من البشر بشكل مطلق.”
وأضاف إن الخطر، بالنسبة لبقية الناس، يكمن في كيفية إعادة تشكيل طموحات الأوليغارشية التكنولوجية لاقتصادات ومجتمعات حاضرنا، بينما يعيدون توجيه الموارد -رأس المال، الطاقة، المعادن، المياه- لتعزيز الذكاء الاصطناعي وتسريع “الحلم ما بعد الإنساني”، على حساب الرعاية الصحية أو التعليم أو الحد من الفقر في الوقت الحاضر.
ومن ثم، فهذه الرؤى تمنح أولوية لمستقبل افتراضي أو كوني على حساب الاحتياجات الإنسانية الراهنة، معتبرين أن تطوير التكنولوجيا يجب أن يظل مرتبطاً بتحسين حياة البشر وتعزيز العدالة الاجتماعية بدلاً من السعي إلى إعادة تعريف الإنسان نفسه.
ويعكس الجدل الدائر حول هذه الأفكار انقساماً متزايداً بين من ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتطوير المجتمع البشري، ومن يراه خطوة نحو مرحلة جديدة قد تتجاوز الإنسان بصورته المعروفة اليوم.