«عرائس السكر».. طقس تونسي عريق يستقبل السنة الهجرية
في رأس السنة الهجرية، تتزين شوارع مدينة نابل التونسية (شمال شرق البلاد) وأسواقها بـ"عرائس السكر" التي يعرضها الباعة لأهالي المدينة، وهي عبارة عن دمى مصنوعة من السكر والحلوى.
واحتفاءً بهذه المناسبة، نظمت جمعية "صيانة مدينة نابل"، الثلاثاء، مهرجان عرائس السكر، الذي يستمر حتى يوم الأربعاء.
وتعد هذه التظاهرة التراثية الشعبية مناسبة مهمة لإحياء العادات المرتبطة برأس السنة الهجرية، ودعم الحرفيين والأنشطة التقليدية المرتبطة بصناعة عرائس السكر.
وتُعد صناعة هذه العرائس من بين أهم المهن التي توارثها أهالي المدينة منذ قرون.
وتتخذ العرائس أشكالاً متعددة، منها مجسمات لأبطال الأفلام الكرتونية، أو أشكال بعض الحيوانات مثل الديك والأسد، وتُلوَّن بألوان زاهية.
كما تُصنع دمى من السكر تُجسد شكل العروسين خلال حفل الزفاف، وتُهدى عادة إلى المتزوجين حديثاً أو إلى الخطيبة بمناسبة رأس السنة الهجرية.
ويُعد سكان نابل أيضاً لهذه المناسبة ما يسمونه "مثرد رأس السنة"، وهو إناء كبير مصنوع من الفخار، يُخصص لوضع الحلوى وتتوسطه "عروس السكر".
واعتاد أهالي نابل تزيين موائد رأس السنة الهجرية بالحلوى و"عرائس السكر"، اعتقاداً منهم بأن ذلك سيجعل السنة المقبلة أحلى من سابقاتها.
كما تُقدم هذه العرائس برفقة طبق "الكسكسي" المُعد باللحم المجفف "القديد"، والذي يتميز ببهارات خاصة مثل الزعفران وماء الزهر، ويُزين بالحمص والفول والبيض المسلوق والحلوى والفواكه الجافة والزبيب.
احتفالات
وقال مدير المهرجان، زهير بالأمين، لـ"العين الإخبارية"، إن المهرجان يهدف إلى الحفاظ على التراث الغذائي والشعبي بمحافظة نابل، ودعم الصناعات التقليدية والحرفيين، وتنشيط الحركة الثقافية والسياحية في الجهة، وتعزيز الهوية المحلية المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية.
وأكد أن البرنامج يتضمن ورشاً لصناعة عرائس السكر وتلوينها بأشكال مختلفة، تقدم خاصة للأطفال، إلى جانب مسابقات موجهة للأطفال، وعروض تنشيطية ومسرحية، وفضاءات لعرض المنتجات التقليدية والحلويات، فضلاً عن أجواء احتفالية داخل المدينة القديمة و"دار نابل".
وأفاد بأن مدينة نابل تحتفل، ككل سنة، برأس السنة الهجرية وعرائس السكر التي تُصنع في قوالب من الخشب أو الجبس، ثم تُزين في مرحلة ثانية قبل وضعها في إناء من الفخار يسمى "المثرد".
وأشار إلى أنه في إطار الاحتفالات التي تعيشها المدينة، تحتضن "دار نابل" (مقر جمعية صيانة مدينة نابل) ورشات حية للتعريف بصناعة العرائس في مختلف مراحلها، والتعريف بأكلة "كسكسي رأس السنة" المميزة لمحافظة نابل.
وتعود صناعة هذه العرائس في مدينة نابل إلى منتصف القرن التاسع عشر، حين أخذها السكان المحليون عن الإيطاليين الذين سكنوا المدينة آنذاك.
وتذكر كتب التاريخ أن أكثر من 100 ألف إيطالي وصلوا إلى شواطئ تونس بعد أن انطلقوا في قوارب من سواحل بلادهم بين القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إثر تفشي البؤس والفقر المدقع في جنوب إيطاليا، متجهين إلى تونس بحثاً عن العمل.
ومع مرور الزمن، أصبح تحضير "عرائس السكر" مهنة موسمية تزدهر مع اقتراب رأس السنة الهجرية، وتنتعش بها أسواق نابل، وتمثل مورد رزق للكثيرين.
طريقة التحضير
وعن طريقة إعداد هذه العرائس، قال الحرفي التونسي سليم الرصايصي، المتخصص في صناعة عرائس السكر، إن هذه الدمى تُحضَّر بطريقة تقليدية.
وأضاف: "في البداية نخلط السكر والماء في وعاء كبير ونحركه باستمرار لتذويب السكر جيداً، ثم نضيف القليل من الليمون ونضع الوعاء على النار ليغلي نحو نصف ساعة حتى ينضج السكر، وبعد ذلك نسكبه في قوالب مختلفة ليتخذ أشكالاً متعددة".
وتابع: "بعد وضع السكر في القوالب، يتم إخراج العرائس بعد عشر دقائق، ثم تُلوَّن بحسب شكل العروس والزينة التي تتطلبها".
ومن العادات الأخرى التي يحافظ عليها سكان المنطقة تكسير عروس السكر يوم رأس السنة الهجرية، إما لأكلها أو لاستخدامها في تحلية الشاي أو القهوة.