المستثمرون باقون.. جاذبية الإمارات أقوى من مخاطر المنطقة
تتجه الأنظار إلى دولة الإمارات في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، وسط تقديرات بأن اقتصادها قادر على امتصاص تداعيات أي اضطرابات قصيرة الأمد، بل وربما تحويلها إلى فرص جديدة لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.
ونقلت بلومبرغ عن المسؤول التنفيذي السابق في ستاندرد تشارترد ومؤسس غيتواي بارتنرز، فيسواناثان شانكار، قوله إن الإمارات عادة ما تبرع في تحويل كل أزمة إلى فرصة، متوقعاً أن تنجح في تكرار هذا النهج خلال المرحلة الحالية أيضاً.
ميزانيات قوية ودين منخفض
ويرى خبراء اقتصاد، أن الوضع المالي للإمارات لن يتأثر كثيراً بالاضطرابات الراهنة، في ظل ما تتمتع به من ميزانيات سيادية قوية، وانخفاض مستوى الدين العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب احتياطيات مالية ضخمة توفر هامش أمان واسعاً، كما أن ارتفاع أسعار النفط، في حال استمراره، قد يشكل عاملاً إيجابياً يعزز الحسابات المالية والخارجية للدولة.

وقال الخبير الاقتصادي، الدكتور رشاد عبده، إن الإمارات تمتلك أدوات قوية لامتصاص الصدمات الإقليمية، بل وتحويلها إلى فرص جذب لرؤوس الأموال، فالدولة تدخل الأزمة الحالية بملاءة مالية مرتفعة، ودين عام منخفض نسبياً، واحتياطيات سيادية كبيرة، إضافة إلى قطاع مصرفي يتمتع برأس مال قوي ورقابة تنظيمية صارمة.
ووفقاً لتقديرات أكسفورد إيكونوميكس، من المتوقع أن يكون اقتصاد الإمارات الأسرع نمواً في منطقة الخليج هذا العام، كما يتوقع كل من بنك الإمارات دبي الوطني وصندوق النقد الدولي نمواً بنحو 5%، في حين يرجح البنك الدولي نمواً بنسبة 4.8%، مدفوعاً بازدهار الأنشطة غير النفطية والتحسن التدريجي في إنتاج النفط.
وفي تصريحه لـ"العين الإخبارية"، أشاد عبده بتجربة الإمارات في التخطيط المستقبلي، مشيراً إلى القمة العالمية للحكومات التي تعقدها الإمارات سنوياً لتبادل الخبرات، وخططها الاستراتيجية التي تمتد لسنوات طويلة، مثل خطة 2071، واعتمادها على العقول والكفاءات من أفضل جامعات العالم، ما يجعلها بمنأى عن التأثر المفاجئ بالأزمات العالمية.
قطاع مصرفي قوي
ويؤكد خبراء أن القطاع المصرفي الإماراتي يتمتع بقاعدة رأسمالية قوية، مع ارتفاع نسب كفاية رأس المال وخضوعه لرقابة تنظيمية صارمة، وعلى مدار سنوات، شكلت الإمارات ملاذاً آمناً لتدفقات رؤوس الأموال خلال فترات عدم اليقين الإقليمي، مستفيدة من المصداقية المؤسسية واستقرار السياسات.
وفي السياق ذاته، طمأنت وكالة فيتش الأسواق بشأن التصنيفات الائتمانية السيادية لدول الشرق الأوسط، مشيرة إلى قدرتها على تحمل صراع إقليمي قصير الأمد، بشرط عدم تصعيده، كما قللت من احتمالات تأثر الإمدادات بإغلاق مطول لمضيق هرمز، لافتة إلى أن خطوط الأنابيب الخليجية قادرة على نقل جزء كبير من الإنتاج.
ثقة المستثمرين وطمأنة داخلية
واستبعد مستشارون للمستثمرين تراجع إقبال الشركات العالمية على التوسع في الإمارات، معتبرين أن المستثمرين قد يعيدون تسعير المخاطر أو تكاليف التأمين، لكنهم سيظلون مهتمين بحجم الفرص المتاحة في السوق الإماراتية.
كما أكد عدد من المقيمين ورجال الأعمال الذين انتقلوا إلى الدولة مؤخراً تمسكهم بخططهم الاستثمارية، مشيرين إلى ثقتهم في التزام الإمارات بالنمو والسلامة، خاصة في ظل الاستجابة المنسقة والسريعة للأحداث الأخيرة.
على صعيد آخر، شهدت منصات التواصل الاجتماعي دعوات واسعة للهدوء من قبل قادة أعمال ومسؤولين ومقيمين، مع تداول صور ومقاطع من شوارع دبي وأبوظبي تؤكد استمرار الحياة بشكل طبيعي.
كما نشر المكتب الإعلامي لحكومة دبي مقطع فيديو للشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات بين المواطنين والمقيمين في دبي مول، يرافقه الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الإماراتي، في رسالة تعكس استقرار الأوضاع واستمرارية الأنشطة الاقتصادية.
الاستقرار خيار مفضل
وتشير شهادات مقيمين إلى أن كثيرين قرروا البقاء في الإمارات، معتبرين أن مستوى السلامة العامة والشفافية والاستباقية في إدارة المخاطر يجعلها خياراً أكثر استقراراً مقارنة ببعض البلدان التي قدموا منها، بما في ذلك دول أوروبية.
ومع ذلك، أكد عبده أن هذه النظرة مشروطة بعدم اتساع نطاق الصراع أو استمراره لمدة طويلة تؤثر فعلياً على الممرات البحرية أو تدفقات التجارة والطاقة، فالإمارات، رغم تنوع اقتصادها، تظل جزءاً من بيئة إقليمية مترابطة، وأي تصعيد كبير قد ينعكس على تكاليف التأمين، وسلوك المستثمرين، ومعنويات الأسواق.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن الإمارات تقف على أرضية اقتصادية صلبة تسمح لها بإدارة المخاطر بكفاءة، مع استمرار جاذبيتها كمركز إقليمي للأعمال ورؤوس الأموال، إلا أن قدرة تحويل الأزمة إلى فرصة ستظل مرتبطة بسرعة احتواء التوترات وحدودها الجغرافية والسياسية.