ترقية مالية كبرى.. الإمارات تودّع «الأسواق الناشئة» إلى الاقتصادات المتقدمة
تتسارع وتيرة نضج الاقتصاد الإماراتي بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تجسد في قرار بنك جي بي مورغان باستبعاد دولة الإمارات من مؤشرات سندات الأسواق الناشئة، تمهيدا لانتقالها إلى تصنيف الأسواق المتقدمة.
ويعكس القرار تحولا نوعيا في موقع دولة الإمارات داخل النظام المالي العالمي، وليس مجرد تعديل تقني في مؤشرات الاستثمار.
القرار، الذي استند إلى استيفاء دولة الإمارات لمعايير الثروة والدخل لمدة 3 سنوات متتالية، يحمل دلالات أعمق تتعلق بهيكل تدفقات رؤوس الأموال، وطبيعة المستثمرين المستهدفين، إضافة إلى طريقة تقييم الديون السيادية الإماراتية في الأسواق العالمية.
ورغم احتمال حدوث تراجع مؤقت في بعض التدفقات المرتبطة بصناديق تتبع مؤشرات الأسواق الناشئة، فإن الخطوة تعزز الثقة في متانة الاقتصاد، وتفتح الباب أمام جذب استثمارات مؤسسية طويلة الأجل، بما يرسّخ مكانة الدولة كمركز مالي عالمي.
انتقال تدريجي من مؤشر الأسواق الناشئة
وبحسب ما نقلته وكالة بلومبرغ عن بيان البنك، سيتم استبعاد الإمارات تدريجيا من مؤشر سندات الأسواق الناشئة على 4 مراحل، تبدأ في 31 مارس/آذار، وتنتهي بالخروج الكامل في يونيو/حزيران المقبل.
وجاء القرار بعد تجاوز ثروة الإمارات -التي تُقاس عادة بنصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي- المستوى المحدد من قبل البنك لفترة ممتدة، ما أدى إلى إعادة تصنيفها خارج فئة الأسواق الناشئة.
وتمثل الإمارات حاليا نحو 4.1% من مؤشرات جي بي مورغان العالمية لسندات الأسواق الناشئة، كما ستنسحب بالكامل من مجموعة السندات المقومة باليورو التي تبلغ حصتها فيها نحو 1% بدءا من 31 مارس/آذار.
خبراء: تحول يعكس قوة اقتصادية ونضجا ماليا
قال أستاذ الاقتصاد الدولي، الدكتور كريم العمدة، إن ترقية سوق الإمارات من "ناشئ" إلى "متقدم" تمثل مؤشرا إيجابيا قويا، وتعكس ارتفاع متوسط دخل الفرد وقوة الأداء الاقتصادي، فضلا عن استيفاء دولة الإمارات المعايير الفنية الخاصة بالدول المتقدمة للعام الثالث على التوالي.
وأوضح في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن هذا التصنيف الجديد سيحدث تغييرا في طبيعة ونوعية الاستثمارات الأجنبية وصناديق الاستثمار التي تدخل السوق الإماراتي، إذ تميل الأسواق المتقدمة إلى جذب استثمارات طويلة ومتوسطة الأجل تسعى إلى الاستقرار المالي، بدلًا من التركيز على الاستثمارات قصيرة الأجل.
وأشار إلى أن هناك نقطة فنية مهمة تتعلق بحركة رؤوس الأموال، موضحا أن صناديق الاستثمار الباحثة عن العوائد السريعة أو "الأموال الساخنة" غالبًا ما تفضل الأسواق الناشئة، حيث تكون معدلات العائد أعلى نسبيا مقارنة بالأسواق المتقدمة، ما قد يدفع بعض هذه التدفقات إلى البحث عن فرص بديلة في أسواق ناشئة أخرى.
وأكد أن هذا التحول يعد إجراء فنيا يستند إلى مؤشرات الثراء والتصنيف الاقتصادي، ويعكس خروج الإمارات من إطار الأسواق الناشئة وانضمامها إلى مجموعة الاقتصادات الكبرى المستقرة.
وقالت الخبيرة المصرفية المصرية، الدكتورة سهر الدماطي، إن القرار يؤكد انتقال الإمارات تدريجيا إلى فئة الاقتصادات المتقدمة، بما يعني أن سنداتها ستقارن بأدوات دين دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة واليابان داخل المنظومة المالية العالمية.
وأوضحت لـ"العين الإخبارية" أن مؤشرات جي بي مورغان تحظى بمتابعة واسعة من صناديق الاستثمار والبنوك الدولية، مشيرة إلى أن الترقية قد تؤدي إلى تراجع مؤقت في التدفقات المرتبطة بمؤشرات الأسواق الناشئة، مع تغير هيكل المستثمرين على المدى الطويل.
وأضافت أن نضج السوق الإماراتية سيجذب في المدى المتوسط شريحة أوسع من المستثمرين العالميين، خصوصا مع النمو القوي للقطاعات غير النفطية مثل السياحة والتجارة والخدمات المالية، إضافة إلى متانة الحسابات الخارجية واستقرار المالية العامة.
وتوقع محللو جي بي مورغان أن يؤدي استبعاد السندات الإماراتية منخفضة العائد إلى اتساع فارق العائد الرئيسي لمؤشر الأسواق الناشئة بنحو 10 نقاط أساس.
ويُقصد بفارق العائد العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل تحمل مخاطر إقراض دول الأسواق الناشئة مقارنة بسندات الخزانة الأمريكية، الذي يبلغ حاليًا نحو 247 نقطة أساس، في حين يبلغ فارق العائد على سندات الإمارات نحو 65 نقطة أساس فقط.