الإمارات وتوثيق اعتداءات إيران.. مسار نحو المحاسبة الدولية (خبراء)
في مواجهة الاعتداءات الإيرانية الغادرة، اختارت دولة الإمارات الجمع بين الحزم والسيادة من جهة، والتحرك القانوني والدبلوماسي من جهة أخرى، عبر توثيق الانتهاكات تمهيدا لمساءلة دولية شاملة.
واليوم الخميس، أصدر الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، قرارا بشأن تشكيل اللجنة الوطنية لتوثيق أعمال العدوان والجرائم الدولية والأضرار الناجمة عنها، في خطوة تعكس نهج الدولة المؤسسي في توثيق الانتهاكات وفق أعلى المعايير القانونية والفنية.
ونص القرار على أن تشكل اللجنة برئاسة النائب العام للدولة، وتُعنى بتوثيق أعمال العدوان الإيراني والجرائم الدولية والأضرار المترتبة عليها، والتي طالت إقليم الدولة ومواطنيها وزائريها والمقيمين على أرضها، بما يضمن بناء سجل وطني متكامل يستند إلى الأدلة الموثوقة.
قرار يؤكد محللون سياسيون أنه يعكس تحولا إماراتيا من مرحلة الردع الميداني إلى بناء مسار قانوني متكامل، يستند إلى الأدلة والمواثيق الدولية، بما يعزز فرص محاسبة إيران وأذرعها أمام المؤسسات الدولية، ويحفظ حقوق الدولة والمتضررين وفق الأطر القانونية المعترف بها عالميا.
كما يحمل التحرك الإماراتي رسائل سياسية تتجاوز حدود الأزمة الراهنة، مفادها أن أمن المنطقة والملاحة الدولية والطاقة العالمية خطوط لا يمكن العبث بها دون كلفة قانونية ودبلوماسية متصاعدة، خصوصا مع تزايد التنسيق الخليجي والدولي تجاه سلوك طهران الإقليمي.
ويقول محللون سياسيون تحدثت إليهم "العين الإخبارية"، إن أهمية التوثيق لا تقتصر على البعد القضائي فحسب، بل تمتد إلى تثبيت الرواية القانونية والسياسية للإمارات، وقطع الطريق أمام محاولات الإنكار أو التضليل الإيراني، بما يمهد لبناء موقف دولي أكثر صرامة تجاه الانتهاكات الإيرانية مستقبلا.
وفي هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي الإماراتي محمد خلفان الصوافي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن تشكيل اللجنة الإماراتية، يعكس فلسفة العمل الدولي لدولة الإمارات بأن الخلافات بين الدول تعالج بالقانون وليس بالبلطجة والقوة.
تحركات إماراتية أوسع
واعتبر تشكيل اللجنة الإماراتية، بمثابة خطوة قانونية ترسخ فكرة وضع حد لمغامرات الأنظمة الفوضوية مثل النظام الإيراني في النظام الدولي، وتبين نهج دولة الإمارات القائم على اللجوء إلى الأساليب السلمية في الحصول على حقوقها.
وأشار إلى أن اللجنة تمهد لتحرك إماراتي أوسع في المحافل الدولية، فدولة الإمارات من الدول التي تحترم العمل الدولي وتدعمه وتؤمن به، وبالتالي ستطرق كل الأبواب الدولية من أجل الحصول على حقوقها وحق شعبها وحتى الذين تضرروا من العدوان الإيراني.
وأكد المحلل السياسي الإماراتي، أن القرار يرسخ صورة الإمارات كدولة مؤسسات وقانون، من أمرين؛ الأول: أنها لا تترك حق شعبها بل تثق في المؤسسات الدولية، فيما الأمر الآخر: يؤكد أنها تدعم الأساليب السلمية والقانونية في الحصول على حقها بدلاً من القوة الخشنة.
وبينما تعد إيران واحدة من الدول في النظام الدولي التي لا تعترف بالقانون بقدر إيمانها بالإجراءات «المليشاوية والبلطجة» سواء في التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو بالاعتداء العسكري والتخريب، فإن هذا الإجراء الإماراتي سيساهم في وضع حد لمن تسول له نفسه القيام بأعمال تخريبية ضد الدول المستقرة، يقول الصوافي.
فكيف يعزز التوثيق فرص المساءلة؟
أكد المحلل السياسي الإماراتي محمد خلفان الصوافي، أنه لا يمكن التقدم إلى الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية بشكوى دون أدلة، مع أن هناك إدانة من مجلس الأمن، لكن هذا الإجراء متبع في العرف الدولي، مشيرًا إلى أن دولة الإمارات تدرك ذلك، وبالتالي فمهمة اللجنة المشكلة جميع تلك الأدلة لتقديمها إلى جهة الاختصاص في الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن الإجراءات القانونية ستحمل المعتدي مسؤوليته الدولية، متوقعا مؤكدًا أنه في حالة تم الأخذ بالأدلة الإماراتية من قبل مجلس الامن الدولي فهذا يعني تنفيذ التعويضات المستحقة على النظام الإيراني.

من جانبه، قال المحلل السياسي البحريني جمال بوحسن، إن أي مسار للمساءلة الدولية لا يمكن أن يقوم على الخطابات السياسية وحدها، بل يعتمد بصورة أساسية على الأدلة الموثقة والملفات القانونية المتماسكة، ما يؤكد أهمية التوثيق باعتباره العمود الفقري لأي تحرك دولي ناجح.
فـ«عندما تمتلك الدولة قاعدة بيانات موثقة تتضمن أدلة وشهادات وقرائن وتحويلات وتمويلات واتصالات وعلاقات تنظيمية، فإنها تصبح أكثر قدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة القانون لا بلغة الاتهام السياسي»، يضيف المحلل السياسي البحريني، مشيرًا إلى أن التوثيق المهني يعزز فرص عرض هذه الملفات أمام المنظمات الدولية، والهيئات الحقوقية، والمحاكم المختصة، ويمنح الدولة قدرة أكبر على كشف أنماط التدخل الخارجي والرعاية المباشرة أو غير المباشرة للعنف والفوضى.
والأهم من ذلك، أن التوثيق يقطع الطريق أمام محاولات الإنكار أو تزييف الوقائع، ويُبقي المسؤولية قائمة أخلاقيًا وقانونيًا وسياسيًا، حتى وإن تأخر مسار العدالة الدولية، لأن الحقوق الموثقة لا تموت، والذاكرة القانونية للدول تبقى أقوى من حملات التضليل والنسيان، بحسب المحلل السياسي البحريني.
فهل تحذو دول الخليج حذو الإمارات؟
توقع المحلل السياسي البحريني جمال بوحسن، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن تحذو البحرين حذو الإمارات، وتعلن تشكيل لجنة وطنية متخصصة لتوثيق جرائم العدوان والتدخلات الإيرانية، كون تلك الخطوة تنسجم مع حق الدولة المشروع في حماية أمنها الوطني وصون استقرارها الداخلي.
وأوضح أن البحرين واجهت على مدى سنوات طويلة، محاولات إيرانية ممنهجة للمساس بأمنها، عبر دعم طهران وتمويلها وتدريبها عناصر مرتبطة بأجندات خارجية تستهدف المنامة ومؤسساتها ووحدة مجتمعها.
واعتبر تشكيل لجنة وطنية للتوثيق لا يحمل فقط بُعدًا أمنيًا، بل يؤسس لمسار قانوني ودبلوماسي متكامل، يحفظ الذاكرة الوطنية ويمنع طمس الحقائق أو إعادة تدوير الروايات المضللة، فضلا عن أنها تعكس انتقال الدولة من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة البناء المؤسسي القانوني القادر على ملاحقة الانتهاكات وتثبيت المسؤوليات بالأدلة والوثائق والشهادات.
وأشار إلى أن أي خطوة بحرينية أو خليجية في هذا الصدد، ستبعث برسالة واضحة مفادها بأن اعتداء على سيادتها أو أي دعم للفوضى والإرهاب لن يسقط بالتقادم السياسي أو الإعلامي، بل سيظل موثقًا ومحفوظًا في سجلات وطنية وقانونية يمكن البناء عليها مستقبلاً أمام أي مسار دولي أو حقوقي.
وأكد أن مملكة البحرين لديها من الإثباتات والحجج والأدلة والاعترافات؛ إذ لديها أحكام قضائية للمتورطين في أحداث وجرائم إرهابية متصلة بالحرس الثوري الإيراني.
فكيف سينعكس التحرك الإماراتي سلباً على إيران وأذرعها؟
يقول الخبير في الشأن الإيراني ومدير مؤسسة الجيوستراتيجي للدراسات إبراهيم كابان، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إنه حينما تتحرك دولة تمتلك ثقلاً اقتصادياً ودبلوماسياً كدولة الإمارات ضمن مسار إقليمي أو دولي يركز على ملفات التدخلات أو شبكات النفوذ الإيرانية، فإن ذلك يسحب تدريجياً الغطاء عن فكرة أن إيران شريك استقرار يمكن التفاهم معه بمعزل عن سلوك أذرعها العسكرية، مما يضعف السردية الإيرانية التي حاولت طهران ترسيخها خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد المصالحات الإقليمية.
أما على مستوى الأذرع الإيرانية، فإن أي تحرك إماراتي مدعوم خليجياً أو دولياً سيؤدي إلى تضييق البيئة السياسية والمالية التي تتحرك فيها هذه الجماعات، يقول إبراهيم كابان، مشيرًا إلى أن القوة الحقيقية لأذرع إيران لا تكمن فقط في السلاح، بل في قدرتها على الاستفادة من الفراغات الاقتصادية والحدود المفتوحة وشبكات التمويل والتحويلات غير الرسمية.
«وعندما تبدأ دول المنطقة بتنسيق أمني وقانوني أوسع، تصبح هذه الشبكات أكثر عرضة للرصد والعقوبات والملاحقة»، يضيف كابان، مشيرًا إلى أن التحرك الإماراتي يحمل رسالة بأن دول الخليج لم تعد تقبل بفصل الملف الإيراني عن نشاط المليشيات العابرة للحدود، يضع إيران أمام معادلة أكثر كلفة وتعقيداً.
كما أن هذا التحرك يهدد إيران اقتصادياً بصورة غير مباشرة؛ فدولة الإمارات تشكل مركزاً مالياً وتجارياً أساسياً في المنطقة، وأي تشدد في الرقابة المالية أو في التعاون مع الشركاء الدوليين يمكن أن يحد من قدرة شبكات مرتبطة بطهران على الالتفاف على العقوبات أو استخدام المسارات الاقتصادية البديلة، بحسب إبراهيم كابان.
فهل ستقود هذه اللجنة إلى مزيد من عزل إيران إقليمياً ودولياً؟
يقول الخبير في الشأن الإيراني ومدير مؤسسة الجيوستراتيجي للدراسات إبراهيم كابان، إنه في السياسة الدولية، لا تبدأ عمليات عزل الدول العدوانية بعقوبات كبرى، بل بتشكيل لجان تحقيق، أو بإنشاء ملفات توثيق، أو ببناء سردية قانونية وأخلاقية مشتركة حول سلوك دولة معينة، وهذا ما قد تواجهه إيران اليوم.
فـ«إذا نجحت اللجنة في جمع أدلة أو تقديم رواية موثقة تربط بين سياسات طهران وأنشطة تهدد الأمن الإقليمي أو الملاحة أو الاستقرار الداخلي في بعض الدول، فإن ذلك سيمنح القوى الغربية والإقليمية أرضية أقوى لتوسيع الضغوط مستقبلاً»، بحسب الخبير في الشأن الإيراني، الذي قال إن أي تنسيق خليجي–عربي–دولي حول ملف التدخلات الإيرانية سيعني أن مساحة المناورة الإيرانية تضيق تدريجياً.
انعكاسات دولية
وأوضح أن هذه اللجنة قد تدفع العديد من الدول التي كانت تتبع سياسة الحياد أو التوازن إلى إعادة تقييم علاقتها بطهران، خاصة إذا ارتبط عمل اللجنة بملفات حساسة كالأمن البحري أو تمويل الجماعات المسلحة أو تهديد البنية التحتية للطاقة. فهذه القضايا لا تُعتبر ملفات سياسية فقط، بل تمس الاقتصاد العالمي وأمن التجارة الدولية، ما يمنحها بعداً دولياً واسعاً.
واعتبر أن إيران قد تواجه مرحلة من «الاحتواء المنظم»، أي بناء شبكة من التفاهمات الإقليمية والدولية تهدف إلى تقليص نفوذها، وخاصة وأن ترك النفوذ الإيراني يتمدد دون ضوابط يحمل مخاطر أكبر على المدى البعيد.
فرص المساءلة القانونية
بدوره، قال الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام عضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، إن تشكيل لجنة وطنية إماراتية لتوثيق العدوان على السفن في مضيق هرمز يمثل خطوة قانونية استراتيجية تعزز فرص المساءلة الدولية وتحفظ الحقوق القانونية للدولة وشركاتها الوطنية في المطالبة بالتعويضات.
وأوضح مهران في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن الأهمية القانونية لتشكيل اللجنة تكمن في ضمان التوثيق المنهجي والمهني للأدلة وفقاً لمعايير القانون الدولي، مشيراً إلى أن التوثيق الرسمي من قبل جهة حكومية يمنح الأدلة مصداقية أكبر أمام المحاكم والهيئات الدولية.
وأشار إلى أن التوثيق المحكم يعزز فرص المساءلة أمام الهيئات الدولية بما فيها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن، موضحاً أن توفير أدلة موثقة بشكل قانوني سليم يسهل عملية إثبات المسؤولية الدولية ويقوي الموقف القانوني للدولة المتضررة.
ولفت أستاذ القانون الدولي إلى أن سلسلة الحيازة القانونية للأدلة تعد عنصراً حاسماً في أي إجراء قضائي دولي، مشيراً إلى أن توثيق مصدر الدليل وطريقة جمعه وحفظه وتسلسل من تعامل معه يضمن عدم التشكيك في صحته أو التلاعب به، مؤكداً أن المحاكم الدولية تطبق معايير صارمة لقبول الأدلة ورفض ما لا يستوفي شروط السلامة الإجرائية.
وبين أن قرار مجلس الأمن 2817 المتعلق بأمن الملاحة البحرية يفرض التزامات واضحة على الدول بضمان حرية الملاحة وحماية السفن التجارية، موضحاً أن استهداف السفن الإماراتية في المياه الدولية يشكل انتهاكاً مباشراً لهذه الالتزامات ويوفر أساساً قانونياً لمطالبة مجلس الأمن بالتحرك.
فهل يمكن محاسبة إيران قانونيا على أذرعها ووكلائها في الخارج؟
وأكد مهران أن إثبات المسؤولية القانونية عن الهجمات البحرية يتطلب توفير أدلة على الفعل غير المشروع ونسبته للدولة المعنية وإثبات الضرر الناتج، مشيراً إلى أن مشروع مواد المسؤولية الدولية للدول ينص على أن الدولة تتحمل المسؤولية عن أفعال أجهزتها الرسمية وكذلك عن أفعال الأشخاص أو الجماعات التي تتصرف بتوجيهات منها أو تحت سيطرتها الفعلية.
وفي ذات السياق نوه إلى أن الخيارات القانونية المتاحة أمام دولة الإمارات تشمل اللجوء لمحكمة العدل الدولية إذا توفرت الولاية القضائية وقبل الطرف الآخر الاختصاص، أو تقديم شكوى لمجلس الأمن بموجب الفصل السادس أو السابع من الميثاق، أو رفع دعاوى تعويض أمام المحاكم الوطنية أو الدولية، أو اللجوء للتحكيم الدولي، موضحاً أن كل خيار يتطلب إجراءات معينه لقبوله وتوثيقاً قانونياً محكماً للانتهاكات والأضرار.
وأكد مهران أن مجلس الأمن يملك صلاحيات واسعة لفرض إجراءات ضد المسؤولين تتراوح من الإدانة السياسية إلى العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وصولاً للإحالة للمحكمة الجنائية الدولية، موضحاً أن التوثيق القانوني المحكم يسهل على الدول الأعضاء تبني موقف داعم للإجراءات العقابية.
ولفت إلى أن التوثيق الدقيق يفتح الباب واسعاً أمام مطالبات التعويض عن الخسائر المادية والمعنوية، مشيراً إلى أن القانون الدولي يلزم الدولة المسؤولة عن الفعل غير المشروع بالتعويض الكامل عن الضرر، موضحاً أن التوثيق المبكر والمهني يحفظ الأدلة ويسهل تقدير حجم الأضرار بدقة.
وشدد أستاذ القانون الدولي على أن التحرك المبكر في توثيق الجرائم والانتهاكات ضرورة قانونية واستراتيجية، محذراً من أن تأخير التوثيق قد يؤدي لفقدان الأدلة أو تلفها أو التشكيك في مصداقيتها، مؤكداً أن الخطوة الإماراتية تمثل نموذجاً يُحتذى للدول التي تتعرض لانتهاكات مماثلة في حماية حقوقها القانونية وتعزيز فرص المساءلة الدولية.