تمويل بريطاني مثير للجدل.. 50 مليون استرليني تتدفق إلى شركات أمريكية
أثار توجيه أموال عامة بريطانية إلى شركات تكنولوجيا ورؤوس أموال مغامرة أمريكية جدلاً واسعاً.
جاء هذا بعدما كشفت تحقيقات صحفية أن وكالة الأبحاث والاختراع المتقدمة - (Aria) خصصت نحو 50 مليون جنيه استرليني من أموال دافعي الضرائب لدعم مشاريع خارجية، في خطوة تطرح تساؤلات حول جدوى هذا الإنفاق ومدى انعكاسه على الاقتصاد البريطاني.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، فإن الوكالة، التي أُنشئت بهدف تمويل أفكار "جريئة" وإعادة بريطانيا إلى موقع الريادة العلمية، خصصت خلال العامين الماضيين أكثر من ثُمن ميزانيتها البحثية البالغة 400 مليون جنيه استرليني لصالح 14 شركة ومجموعة استثمارية أمريكية، دون وضوح كافٍ حول العائد المباشر للمملكة المتحدة.
ومن بين أبرز هذه الحالات شركة “Rain Neuromorphics”، المدعومة من الرئيس التنفيذي لأوبن ايه أي سام ألتمان، والتي واجهت تقارير عن قرب انهيارها بعد فترة قصيرة من حصولها على التمويل.
انتقادات حادة
ونقلت الغارديان عن أستاذة الاقتصاد في جامعة "كوليدج لندن"، سيسيليا ريكاب، أن الحكومة تستخدم أموال دافعي الضرائب لتعزيز نفوذ شركات التكنولوجيا الأمريكية، تحت غطاء دعم الابتكار. وأضافت أن هذا النهج يعكس انحيازاً واضحاً لصالح منظومة التكنولوجيا الكبرى على حساب المصالح الوطنية.
من جانبها، دعت رئيسة لجنة العلوم والتكنولوجيا في البرلمان، النائبة تشي أونوراه، إلى تعزيز الرقابة على أنشطة الوكالة، مشيرة إلى أن القانون المنظم لعملها يفرض تحقيق فوائد مباشرة للاقتصاد البريطاني، سواء من خلال النمو أو الابتكار أو تحسين جودة الحياة. وأكدت أن تمويل شركات أجنبية يثير تساؤلات حول مدى التزام الوكالة بهذه الأهداف.
في المقابل، دافعت “Aria” الوكالة البريطانية عن سياساتها، مؤكدة أن أكثر من 80% من تمويلها يذهب إلى جهات بريطانية، وأن دعم الشركات الدولية يهدف إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الداخل البريطاني، مع وجود ضمانات تعاقدية تضمن عودة الفوائد إلى المملكة المتحدة.
9 شركات
وتُظهر بيانات الشفافية أن الوكالة أنفقت نحو 23 مليون جنيه استرليني على 9 شركات تكنولوجية أمريكية، بالإضافة إلى 6 ملايين جنيه لشركة “Normal Computing”، التي أنشأت وجوداً قانونياً في بريطانيا قبل أسابيع فقط من حصولها على التمويل.
كما منحت نحو 29.4 مليون جنيه لثلاث شركات رأس مال مغامر أمريكية، من بينها “Pillar VC”، لتطوير برامج لدعم المواهب التقنية الناشئة في بريطانيا.
ومن المشاريع الأخرى، حصلت مؤسسة “CIC Venture Cafe Global Institute” على 5.4 مليون جنيه لتنظيم فعاليات لريادة الأعمال داخل المملكة المتحدة، بينما تلقت شركة “Fifty Years” نحو 7 ملايين جنيه لتقديم برنامج تدريبي مدته 14 أسبوعاً لمساعدة العلماء على تأسيس شركات ناشئة.
واللافت، بحسب الغارديان، هو أن بعض هذه الشركات أنشأت كيانات قانونية داخل بريطانيا قبيل الحصول على التمويل مباشرة، مما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه الكيانات وما إذا كانت مجرد وسيلة للامتثال الشكلي لشروط التمويل.
ورغم الانتقادات، تؤكد الشركات المستفيدة أن برامجها تحقق قيمة مضافة للاقتصاد البريطاني. فقد أوضحت “Normal Computing” أنها أعادت استثمار نحو 150% من قيمة التمويل داخل المملكة عبر الرواتب والعمليات التشغيلية، فيما أشارت “Fifty Years” إلى أنها ساهمت بالفعل في تأسيس شركتين ناشئتين من خلال برنامجها المحلي.
لكن مع ذلك، فإن الجدل لا يزال قائماً حول مدى كفاءة هذا النموذج في تحقيق أهدافه المعلنة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها بريطانيا، والحاجة إلى توجيه الموارد بشكل أكثر مباشرة لدعم الابتكار المحلي وتعزيز القدرة التنافسية الوطنية.