«سلاح حاسم» لروسيا.. الربيع يعيد تشكيل معادلات حرب أوكرانيا
تستعد روسيا لتجديد هجومها واسع النطاق في أوكرانيا، مستفيدة من تحسن الأحوال الجوية بعد أشهر الشتاء التي شهدت جمودا.
ويأتي هذا التحرك في وقت تسعى فيه موسكو إلى استعادة الزخم الميداني، خاصة مع نجاح القوات الأوكرانية في تنفيذ هجمات مضادة محدودة على بعض المحاور الحيوية.
ورغم امتلاك روسيا تفوقاً واضحاً من حيث عدد الجنود وحجم العتاد العسكري، فإن أحد أبرز عناصر القوة في هذه المرحلة لا يتمثل في الأسلحة التقليدية، بل في عامل طبيعي يتمثل في عودة الغطاء النباتي الكثيف، الذي يوفر غطاء طبيعيا يحد من فعالية الطائرات المسيّرة التي أصبحت الأداة الأكثر تأثيراً في مراقبة التحركات واستهداف الأهداف على الأرض، وفقاً لما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز".
وفي ظل الانتشار الواسع للطائرات بدون طيار على جانبي الصراع، تراجعت أهمية الهجمات المدرعة التقليدية التي كانت تعتمد على السرعة والمباغتة، لصالح تكتيكات أكثر حذراً تعتمد على تحرك وحدات صغيرة من المشاة.
هذه الوحدات تتحرك غالباً في مجموعات محدودة العدد لتقليل فرص رصدها واستهدافها، مستفيدة من أي غطاء طبيعي متاح.

وفي السهول المفتوحة بشرق وجنوب أوكرانيا، حيث تندر المناطق الحرجية، أصبحت “صفوف الأشجار”، وهي أحزمة نباتية ضيقة تعود جذورها إلى سياسات زراعية في الحقبة السوفيتية لحماية المحاصيل من الرياح، بمثابة شرايين حركة حيوية للقوات.
وتستخدم هذه الممرات الطبيعية للاختباء من نيران الخصم، وإعادة التموضع، وتنفيذ الهجمات، وكذلك للانسحاب التكتيكي من خطوط التماس.
هذا الغطاء النباتي يمثل سلاحاً ذا حدين؛ فمن جهة، يحدّ من قدرة الطائرات المسيّرة على الرصد الدقيق، ومن جهة أخرى، يقلل أيضاً من وضوح الرؤية لدى القوات على الأرض، ما يزيد من صعوبة تحديد مواقع الخصم بدقة.
ومع ذلك، يرى بعض القادة العسكريين الأوكرانيين، أن هذا العامل قد يصب في مصلحة روسيا بشكل أكبر، نظراً لقدرتها على الدفع بأعداد أكبر من المشاة، ما يمنحها مرونة تكتيكية أوسع وقدرة أعلى على تحمل الخسائر خلال محاولات التقدم.
ويبرز مثال لافت على تأثير الطبيعة في مسار العمليات العسكرية في منطقة زابوريجيا، حيث تحوّل قاع خزان مائي جفّ عقب تدمير سد في عام 2023، إلى مساحة واسعة مغطاة بنباتات كثيفة وأشجار نامية بسرعة.
هذا التحول البيئي غير المتوقع خلق بيئة مثالية للمناورة العسكرية، تتيح للقوات الروسية التقدم والتمركز بدرجة عالية من التخفي، مستفيدة من طبيعة الأرض الخصبة التي أعادت تشكيل المشهد الميداني خلال فترة زمنية قصيرة.
هجوم متجدد... ودفاع ثابت
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم الربيعي الروسي قد بدأ بالفعل من خلال تصعيد العمليات على عدة محاور، من بينها محاولة اختراق قرب مدينة ليمان، حيث اندفعت قوة كبيرة تضم مئات الجنود مدعومة بمركبات مدرعة ودراجات نارية في هجوم واسع.

ويُتوقع أن تستمر هذه الهجمات على مدى الأشهر المقبلة، كما حدث في العامين السابقين، حيث شكّل فصل الربيع نقطة انطلاق لعمليات عسكرية طويلة الأمد حققت خلالها روسيا بعض التقدم الميداني، وإن كان تدريجياً ومكلفاً.
في المقابل، تتمسك أوكرانيا باستراتيجية دفاعية واضحة، تقوم على تحصين خطوطها الأمامية عبر شبكة معقدة من الخنادق، والعوائق المضادة للدبابات، والأسلاك الشائكة، والسواتر الترابية التي تم إنشاؤها خلال فصل الشتاء تحسباً لأي هجوم واسع.
كما تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة في مهام الاستطلاع والاستهداف، بهدف إبطاء تقدم القوات الروسية واستنزاف قدراتها البشرية والمادية.
ورغم أن فصل الشتاء منح المدافعين الأوكرانيين أفضلية نسبية بسبب صعوبة حركة القوات المهاجمة في الطقس القاسي، فإن الربيع يعيد التوازن جزئياً لصالح الهجوم، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق اختراقات استراتيجية حاسمة، وفق الصحيفة الأمريكية.