«القنفذ الفولاذي».. خطة أوكرانيا بعد الحرب
مع اقتراب الحرب من عامها الرابع، تسعى أوكرانيا لأن تكون كـ"القنفذ الفولاذي" الذي يعتمد على قوته الذاتية
والعام الماضي، حثت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، كييف، على تحويل البلاد إلى "قنفذ فولاذي غير قابل للمساس".
ويعني ذلك جيشا ضخما دائما، واستثمارا كبيرا في أحدث تقنيات الطائرات المسيرة والصواريخ، وإنتاجا محليا للأسلحة، بحسب صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية.
الضمانات الأمنية
تقول أليونا غيتمانشوك، رئيسة بعثة أوكرانيا لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لموقع بوليتيكو: "أجرت أوكرانيا إعادة نظر جذرية في معنى الضمانات الأمنية وما ينبغي أن تستند إليه".
وأضافت: "في السابق، كانت الرؤية تتمحور أساسا حول التزامات الحماية التي يقدمها الشركاء. أما اليوم، فهناك إدراك واضح بأن جوهر أي ضمانات أمنية يكمن في الجيش الأوكراني وصناعاته الدفاعية".
ولكن لتحقيق ذلك، تحتاج أوكرانيا إلى إنشاء قطاع دفاعي مستدام، وإصلاح أنظمة التوريد، وتطوير عمليات التجنيد، ومواصلة تحسين تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، وتطوير صواريخ بعيدة المدى، وتزويد قواتها بدبابات ومدفعية وطائرات نفاثة حديثة (وقد وضعت كييف مسودة اتفاقية لشراء ما يصل إلى 150 مقاتلة من طراز ساب JAS-39E غريبن السويدية الصنع)، والحصول على مليارات الدولارات من المساعدات لبناء جيش تخشى روسيا مهاجمته مجددا.
ويشير إيهور فيديركو، الرئيس التنفيذي للمجلس الأوكراني للصناعات الدفاعية، إلى أن أمن أوكرانيا المستقبلي يتمحور في المقام الأول حول مرونة الإنتاج، موضحا أن الأمر ليس متعلقا بأنظمة أسلحة فردية أو اختراقات تكنولوجية عابرة، بل بقدرة الصناعات الدفاعية على العمل على المدى الطويل، تحت الضغط، وبإنتاج متوقع".
ومع استبعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب احتمال انضمام أوكرانيا إلى الناتو — الذي يرتكز على مبدأ الدفاع المشترك (المادة 5) — تتقلص الخيارات الأمنية أمام كييف.
وقال الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في كييف يوم الثلاثاء: "إلى جانب قوات مسلحة قوية، تحتاج أوكرانيا إلى ضمانات أمنية متينة".
لكن كييف تشعر بالحذر من الاتفاقات الثنائية، خاصة بعد تجربتها مع مذكرة بودابست 1994 التي تخلت بموجبها عن ترسانتها النووية مقابل وعود لم يتم الالتزام بها.
وأعلن بعض الحلفاء الأوروبيين أنهم سينشرون قوات في أوكرانيا بعد التوصل إلى اتفاق، على أن تتضمن هذه التعزيزات قوات برية، وطائرات، وسفن في البحر الأسود.
ولفت روته، إلى أن الولايات المتحدة ستكون "بمثابة الضمانة"، مضيفا أن التعهدات الأمنية "متينة".
وتشير "بوليتيكو"، إلى أن جوهر مخاوف أوكرانيا يتمحور حول مصداقية وعود ترامب، وذلك بسبب تحولاته المفاجئة في السياسة - من رغبته في ضم غرينلاند إلى التشكيك في قيمة حلفاء الناتو، وتوطيد علاقات ودية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وفي هذا الصدد، يتساءل تيموثي آش، المحلل المتخصص في الشؤون الروسية والأوكرانية "هل سيعلن ترامب الحرب على روسيا بسبب أوكرانيا؟ قطعا لا. هل سيفرض ترامب عقوبات على روسيا لخرقها أي وقف لإطلاق النار؟ من المستبعد جدا".
الخطة (ب)
ومع تضاؤل الضمانات الأمنية المتاحة، يتمثل الخيار البديل لأوكرانيا في الاعتماد على نفسها.
وقال غيتمانشوك: "كلما طالت الحرب، ازداد اقتناع الأوكرانيين بضرورة الاعتماد على أنفسهم أولا وقبل كل شيء. ويعكس هذا خيبة الأمل من الالتزامات الأمنية السابقة المقدمة لأوكرانيا، والتشكيك في فرص انضمامها إلى حلف الناتو".
بناء الدفاعات
تطالب كييف في مفاوضات السلام بالحفاظ على جيش قوامه 800 ألف جندي.
فمع استمرار الحرب واقترابها من عامها الرابع، تشير الأرقام إلى ملاحقة 2 مليون شخص بتهمة تهربهم من التجنيد. بينما فرّ 200 ألف جندي من الخدمة العسكرية، وفقا لما صرح به وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف الشهر الماضي.
وفي حال التوصل إلى وقف إطلاق النار، سيرغب العديد من الجنود العاملين حاليا في تسريحهم.
هذا يعني- بحسب الصحيفة- بذل جهد هائل ومكلف لبناء جيش كبير والحفاظ عليه في زمن السلم، وهو جيش يجب تنظيمه وتوفير رواتب مناسبة له.
ولتحقيق ذلك، تحتاج أوكرانيا بحسب تاراس تشموت، المحلل العسكري الأوكراني ورئيس صندوق "العودة إلى الحياة" للمتطوعين العسكريين، إلى:
تحسين التدريب العسكري على جميع المستويات.
تغيير هيكلها التنظيمي وهيكل أركانها.
تحسين أوضاع الضباط والجنود
وكان وزير الدفاع الأوكراني قد تعهد بإصلاحات كبرى قادمة، قائلا "هدفنا تحويل النظام عبر إصلاح عسكري شامل، وتحسين البنية التحتية، ومحاربة الفساد، وتعزيز ثقافة القيادة والثقة".
طائرات مسيّرة فتاكة
وبحسب ميخايلو فيدوروف، فإن أوكرانيا أنشأت سوقا للطائرات المسيّرة، وأسطولا منها، وصواريخ، وأنظمة حرب إلكترونية، وذخائر، وطائرات اعتراضية".
وأضاف فيدوروف: "لكن من المستحيل خوض المعارك بتقنيات حديثة مع الاعتماد على هيكل تنظيمي قديم".
وفي عام 2025، تعاقدت وزارة الدفاع الأوكرانية على 4.5 مليون طائرة مسيرة من طراز FPV، وأنفقت أكثر من 110 مليارات هريفنيا (2.1 مليار يورو) على مشتريات متعلقة بالطائرات المسيرة، أي ثلاثة أضعاف ما أنفقته في العام السابق.
كما تطور أوكرانيا صواريخ طويلة المدى قد تهدد عمق روسيا، بما يشمل المصافي والبنى التحتية.
ورغم تعثر إنتاج صاروخ Flamingo FP-5 (حمولة 1150 كغ ومدى 3000 كم)، إلا أن أوكرانيا تمتلك أنظمة أخرى وتعمل مع بريطانيا على تطوير صاروخ باليستي تكتيكي بمدى 500 كم.
قدرات التصنيع الدفاعي
في العام الماضي، كانت شركات الدفاع الأوكرانية قادرة على إنتاج معدات بقيمة 35 مليار دولار تقريبا، لكن حكومة كييف التي تعاني من ضائقة مالية لم تتمكن إلا من إبرام عقود بقيمة 12 مليار دولار تقريبا، بحسب ما أفاد به فيديركو.
وقال: "لا تزال نسبة تصل إلى 60% من الطاقة الإنتاجية غير مستغلة بالكامل. وبدون عقود طويلة الأجل، وتمويل مضمون، ومواقع إنتاج محمية، وقاعدة اختبار محلية، لا يمكن استدامة الإنتاج المتسلسل".
وإلى جانب تجهيز قواتها، تأمل أوكرانيا في تصدير الأسلحة، وهو أمر يصعب تحقيقه بموجب قواعد الحرب الحالية.وفق المصدر نفسه.