توقعات الفائدة 2026.. حرب إيران تزيد حيرة الاحتياطي الفيدرالي
تضع قفزة أسعار النفط إلى نحو 120 دولاراً بفعل حرب إيران، الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة صعبة بين كبح التضخم ودعم النمو.
وفي ظل الصدمات التي أحدثتها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في الأسواق، ومع بدء ظهور مؤشرات ضعف في البيانات الاقتصادية الأخيرة، ينطلق اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الذي يستمر يومين وذلك بعد غد الثلاثاء، على أن يعلن قرار سعر الفائدة القياسي في أكبر اقتصاد في العالم في اليوم الثالي.
وتوقع تقرير نشره موقع "إيكونوميك تايمز" أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم المقبل.
وكان البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) قد خفّض أسعار الفائدة ثلاث مرات متتالية العام الماضي، قبل أن يُبقيها دون تغيير في اجتماع يناير/كانون الثاني الماضي.
ويمتلك الاحتياطي الفيدرالي تفويضًا مزدوجًا يتمثل في إبقاء التضخم قريبًا من هدفه طويل الأجل البالغ 2٪، مع ضمان تحقيق أقصى قدر ممكن من التوظيف.
الحرب تغير توقعات الفائدة الأمريكية لعام 2026
لكن مع تسبب الحرب في الشرق الأوسط في ارتفاع أسعار النفط عالميًا — ما قد يزيد التضخم ويكبح النمو — يقول محللون إن من غير المرجح أن يتخذ صناع السياسة أي خطوة في الوقت الحالي.
ونقل التقرير عن غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في EY-Parthenon، إن “هذا يضع الاحتياطي الفيدرالي في مأزق حقيقي، لأن صدمات العرض من الصعب للغاية التعامل معها، إذ ترفع التضخم وفي الوقت نفسه تقلل الإنتاج”.
والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة هي قضية سياسية رئيسية بالنسبة للرئيس دونالد ترامب، الذي أكد أن الأسعار بدأت في التراجع رغم شكاوى المستهلكين من ارتفاع تكلفة السلع الأساسية.
قد تتحول أسوأ أزمة نفط عالمية منذ عقود إلى مشكلة كبيرة أمام قرار الاحتياطي الفيدرالي، الذي يجتمع صانعو السياسات فيه هذا الأسبوع لتحديد الخطوات المقبلة للاقتصاد الأمريكي.
فقد أدت الحرب التي يقودها دونالد ترامب ضد إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، إذ قفز خام غرب تكساس الوسيط – وهو المعيار الأمريكي للنفط – إلى نحو 120 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة الأسبوع الماضي، ما يهدد برفع تكلفة معظم السلع التي يشتريها الأمريكيون. وفي الوقت نفسه، قد تؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى الضغط على الشركات والأسر، مما يبطئ التوظيف ويعرقل نمو الاقتصاد.
ويضع هذا التهديد المزدوج، المتمثل في ارتفاع التضخم وضعف سوق العمل، مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة صعبة، في وقت ينتظر فيه كيفن وورش، مرشح ترامب لقيادة البنك المركزي، تأكيد تعيينه من مجلس الشيوخ، في توقيت غير مناسب تقريباً لأي مسؤول يسعى للدفع نحو خفض أسعار الفائدة.
وقد وجه ترامب مرارًا إهانات لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول مطالبًا بخفض أسعار الفائدة، كما هددت وزارة العدل باول بتوجيه اتهام جنائي له في إطار تحقيق بشأن تجاوزات في تكاليف مشروع تجديد لمبنى الاحتياطي الفيدرالي.
وفي حكم قاس لإدارة ترامب، أصدر القاضي الفدرالي جيمس بواسبيرغ، قراراً بمنع استدعاءات صادرة إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في إطار تحقيقٍ جنائيٍّ مع رئيسه، جيروم باول، من قبل المدعين العامين في مكتب المدعية العامة الأمريكية في واشنطن العاصمة، جانين بيرو، وذلك وفقاً لملف قُدم إلى المحكمة يوم الجمعة 13 مارس/ آذار.
وعلى الرغم من أن تضخم أسعار المستهلكين انخفض من ذروته البالغة 9.1٪ خلال جائحة كوفيد، فإنه لا يزال أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2٪.
وأظهر تقرير يوم الجمعة أن مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي جاء أقل بقليل من المتوقع في يناير/كانون الثاني الماضي. لكن مستوى التضخم البالغ 2.8% لا يزال أعلى بكثير من هدف البنك المركزي طويل الأجل البالغ 2%.
وحذر داكو من أنه، اعتمادًا على مدة استمرار الحرب مع إيران، قد يرتفع التضخم مجددًا ليتجاوز 4٪.
وقال: إن “القصة الأساسية هنا هي أننا نرى التضخم يبتعد عن هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2٪، وهذا سيدفع العديد من صناع السياسة إلى تبني موقف أكثر تشددًا.”
البطالة تضع الاحتياطي الفيدرالي في حيرة
لكن رفع أسعار الفائدة الأمريكية لتبريد الاقتصاد قد يضع الاحتياطي الفيدرالي في تعارض مع مهمته الأخرى، وهي إدارة البطالة. فقد أظهرت بيانات حكومية أن الولايات المتحدة فقدت بشكل غير متوقع 92 ألف وظيفة في فبراير/شباط، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 4.4٪. ويقول محللون إن استقرار معدل البطالة نسبيًا يخفي تغيرات كبيرة تحت السطح.
فالطلب على العمالة يتراجع، لكن البطالة لم ترتفع بشكل حاد لأن هذا التراجع ترافق مع انخفاض في عرض العمالة بسبب تشديد ترامب على سياسات الهجرة.
وقال داكو إن مؤشرات الطلب على العمالة بدأت تبعث على القلق، بما في ذلك ضعف معدل التوظيف الذي وصل إلى أدنى مستوى خلال عقد، إلى جانب تباطؤ نمو الأجور، بالإضافة إلى حديث قادة الأعمال عن استبدال العمالة بالذكاء الاصطناعي.
من جهتها، أشارت ديان سوانك، كبيرة الاقتصاديين في KPMG، إلى أن حالة عدم اليقين المتزايدة بسبب الحرب في إيران وتداعياتها ستؤدي إلى مزيد من تراجع الطلب على العمالة.
وقالت: “عدم اليقين يعمل كأنه ضريبة بحد ذاته على الاقتصاد، وأحد أول الإجراءات التي تتخذها الشركات هو تجميد التوظيف”.
كما أن البيانات الأخيرة قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي ليست مشجعة، إذ جرى خفض تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بشكل حاد في الأشهر الأخيرة من عام 2025.
ومع ذلك، كان بعض مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أكثر حذرًا في وصف صدمة التضخم المحتملة الناتجة عن الحرب. فقد أبدى كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، تعاطفًا مع المستهلكين الذين يواجهون ارتفاع أسعار البنزين. لكنه قال على قناة بلومبرغ: “لكن بالنسبة لنا عند التفكير في السياسة النقدية مستقبلًا، فمن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى تضخم مستدام.”
ومع ذلك، حذرت سوانك من أن أي تباطؤ اقتصادي ناتج عن الحرب قد يكون من الصعب التعافي منه سريعًا.
وقالت: “أعتقد أن الناس يستخفون بخطر الآثار الممتدة.” وأضافت أن اضطرابات الإمدادات لا تؤثر فقط على أسعار النفط.النمو الاقتصادي أقل بكثير من المتوقع
في سياق متصل، أظهرت بيانات حكومية صدرت الجمعة أن الاقتصاد الأمريكي نما بوتيرة أبطأ بكثير من التقديرات الأولية للأشهر الأخيرة من عام 2025، وهو تراجع كبير سُجل حتى قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وقالت وزارة التجارة إن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ارتفع بمعدل سنوي قدره 0,7% في الربع الأخير من العام. ويمثل هذا انخفاضا حادا عن التقديرات السابقة البالغة 1,4% للفترة من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول.
ويشير هذا أيضا إلى أن أكبر اقتصاد في العالم كان في وضع أضعف مما كان متوقعا قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط، ورد طهران باستهداف بلدان في المنطقة وتقييد الملاحة في مضيق هرمز.
وتسببت الحرب باضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار الوقود، مما زاد المخاوف بشأن التضخم.
وفي الربع الأخير، عكست التصحيحات "مراجعة تنازلية للصادرات والإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الحكومي والاستثمار"، بحسب وزارة التجارة التي قالت إن الواردات انخفضت أقل من التقديرات الأولية.
وفي عام 2025 بأكمله، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.1%، أي أقل بقليل من التقديرات السابقة البالغة 2,2%.
وكان ترامب سارع إلى إلقاء اللوم على الإغلاق الحكومي المطول أواخر العام الماضي في تباطؤ النمو عند صدور التقديرات الأولية الشهر الماضي.