أوروبا والمقاربة الصعبة.. ردع استباقي أم ضمان نووي؟
ينسجم امتلاك أوروبا لقوة ردع نووية مستقلة مع مطالب الولايات المتحدة الأمريكية بتعزيز تقاسم أعباء الدفاع.
وفي خطاب طال انتظاره ألقاه في ٤ مارس/آذار الجاري، عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رؤية لتكييف السياسة النووية الفرنسية مع بيئة الأمن الأوروبية سريعة التغير.
وبحسب موقع "ذا ناشيونال إنترست"، قدم ماكرون أيضا مفهوم "الردع الاستباقي"، الذي يشمل "عمق" القارة العجوز، وأعلن أن باريس ستوسع ترسانتها النووية، وتحدث أصولها النووية، وتزيد من غموض برنامجها النووي.
ورغم أن ظهور قوة ردع نووية أوروبية مستقلة لا يزال احتمالًا بعيد المنال، إلا أنه يتعين على الولايات المتحدة دعم مبادرة فرنسا لمساعدة حلفائها على العمل نحو تحقيق هذا الهدف الذي يساهم في نقل أعباء الدفاع.
وأشار الموقع إلى أن النقاشات حول الردع الإقليمي تظهر في سياق تحكمه حرب أوكرانيا والتهديدات النووية المتكررة.
كما أنها تعكس -أيضاً- المخاوف الأوروبية بشأن غموض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو) ورغبتها في تحويل تركيزها إلى نصف الكرة الغربي، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، والآن إلى الشرق الأوسط، إضافة إلى التوترات الداخلية الأمريكية.
ردع استباقي أم ضمان نووي؟
يخشى الأوروبيون من انسحاب أمريكا رسميا من الحلف ومن تراكم "الغموض والتأخير والإشارات المتضاربة" بما يؤدي إلى خلق "فجوة ردع" قد تدفع الخصوم إلى القيام باستفزازات خطيرة لاختبار قدرات أوروبا وعزيمتها.
ويعد "الردع الاستباقي" الفرنسي أقل من الضمان النووي الذي قدمته الولايات المتحدة لحلفائها في "الناتو" منذ الحرب الباردة، كما أنه سيسمح لباريس بالاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على تخطيطها النووي، وتحديد أهدافها، واستخدامها.
ويرى البعض، أن فرنسا لن تتدخل إذا استولت روسيا على أراض في أوروبا الشرقية واستخدمت الابتزاز النووي وذلك في ضوء ترسانة موسكو الضخمة.
وتشمل الترسانة 1500 سلاح نووي تكتيكي (لا تمتلكها باريس)، وأنظمة دفاع جوي متطورة، وقدرات متطورة مضادة للغواصات، وعقيدة "التصعيد من أجل خفض التصعيد".
ولا تزال جدوى المبادرة الفرنسية نفسها غير مؤكدة، خاصة أن المشكلات الاقتصادية المتفاقمة في باريس قد تحد من طموحات الرئيس الفرنسي.
وعلاوة على ذلك، فقد شكك أقصى اليمين الفرنسي الذي يتصدر استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الرئاسية 2027 في رؤية ماكرون.
ورغم أن المبادرة تتوافق مع إجراءات "الناتو"، إلا أن العديد من قادة أوروبا قلقون من أن مناقشة قوة ردع أوروبية محتملة قد تقوض الضمانات الأمريكية حيث يتضاءل اهتمامهم بهذه القضية كلما أرسلت إدارة ترامب إشارات مطمئنة.
ومع ذلك، رحب العديد من القادة الأوروبيين وخبراء الطاقة النووية بخطاب ماكرون، فمثلا: وافقت ألمانيا، الشريك الرئيسي لفرنسا، على إطلاق منتدى ثنائي للتعاون العقائدي والاستراتيجي.
كما أقنعت باريس لندن بـ"تنسيق" أي ضربة نووية مستقبلية، وستنضم بلجيكا وهولندا والدنمارك وبولندا والسويد واليونان إلى فرنسا في آليات التنسيق المتعلقة بالعقيدة النووية والاستجابة للأزمات وغيرها من المسائل الاستراتيجية.
شعبية متزايدة
على نطاق أوسع، يكتسب مفهوم الردع الأوروبي، الذي بدا غير قابل للتطبيق عندما طرحه ماكرون لأول مرة قبل بضع سنوات، شعبية متزايدة بين الرأي العام الأوروبي.
ورغم أن فرنسا أقل قوة بكثير من الولايات المتحدة، إلا أن لديها دوافع أقوى للدفاع عن أوروبا، نظرًا لقربها الجغرافي وعلاقاتها المحلية الوثيقة.
كما أن الترسانة النووية الفرنسية، خاصة عند دمجها مع الترسانة البريطانية، كافية لضمان القدرة على توجيه ضربة ثانية قد تلحق الضرر بروسيا.
ولذلك، فإن نشر طائرات فرنسية ذات قدرات مزدوجة في دول أوروبية أخرى قد يسهم في ردع موسكو حتى لو سحبت الولايات المتحدة قواتها من القارة.
وفي غضون ذلك، يمكن للشركاء الأوروبيين دعم فرنسا بأنظمة الإنذار المبكر، وأصول الدفاع الصاروخي، وقدرات الضربات التقليدية بعيدة المدى، والدعم البحري.
ولم ترد إدارة ترامب رسميًا على خطاب ماكرون لكنها أشارت ضمنيًا إلى خطتها للحفاظ على المظلة النووية الأمريكية فوق أوروبا، وتعزيز ترسانتها المحلية.
في الوقت نفسه، قد يعيق الجمود البيروقراطي والثقافة الاستراتيجية المتراكمة عبر عقود من التعاون داخل حلف الناتو محاولات التغيير.
ومع ذلك، فإن التطوير التدريجي لقوة ردع نووية أوروبية، من شأنه أن يدعم أجندة واشنطن لتقاسم الأعباء وجهودها الرامية إلى تحويل الموارد إلى مناطق أخرى.
ويتعين على واشنطن أن تدعم تعزيز القدرات التقليدية لأوروبا، وأن تشجع مشاركة أوروبية أوسع في الأنشطة النووية للناتو.
كما يتعين عليها دعم مبادرة فرنسا دعمًا كاملًا، إلى جانب أي تدابير أخرى تُساعد أوروبا على الاقتراب من امتلاك قوة ردع مستقلة، وفق الموقع.