التحليلات

فنزويلا.. بلد أضاعه التاريخ والجغرافيا (2-2)

الثلاثاء 2019.4.2 11:01 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 431قراءة
  • 0 تعليق
توتر الأوضاع في فنزويلا

الأزمة في فنزويلا

بات قطاع النفط في فنزويلا هو المشكلة والحل في الوقت ذاته لارتباطه بحل المشكلة السياسية ومحاولة دفع القطاع للعودة إلى مستويات إنتاج أعلى. فقد أدى نقص الاستثمارات من قبل شركة فنزويلا للغاز الطبيعي والنفط (PDVSA) إلى استمرار الشركاء الأجانب في تقليص نشاطاتهم في حقول النفط، وهو ما أدى بالتبعية إلى الانخفاض المستمر في كمية النفط المنتجة. ومع اعتماد فنزويلا البالغ على النفط، بدأ الاقتصاد الوطني في الانكماش، وكانت المحصلة النهائية لكل هذا استمرار وتصاعد التضخم المفرط حتى بلغ نحو مليون في المئة عام 2018، كما أسلفنا.

تبلغ احتياطيات فنزويلا المؤكدة من النفط الخام 302 بليون برميل في يناير/كانون الثاني 2018، وهي تعد أكبر احتياطيات في العالم، وإن كان الجزء الأكبر منها من النفط الثقيل جدا. وقد انخفض إنتاج فنزويلا من النفط الخام بسرعة بالغة خلال الأعوام الأخيرة، ليبلغ أقل مستوى له على مدى 30 عاما، ليبلغ الإنتاج في مايو/أيار 2108 نحو 1.4 مليون برميل يوميا. واستمر الإنتاج في الانخفاض ليتراوح بين 1.2 و1.4 مليون برميل يوميا حتى نهاية العام. وقد هبط عدد منصات الحفر العاملة من نحو 70 منصة في بداية عام 2016 إلى 25 منصة فقط في سبتمبر/أيلول 2018. وتبين تقارير عدة أن الأسباب وراء هذا الانخفاض الهائل هو عدم دفع مستحقات شركات الخدمات الأجنبية، والافتقار إلى المديرين والعمال الأكفاء، وسوف يستمر انخفاض الإنفاق الرأسمالي في التأثير سلبا على إنتاج النفط الخام. فوفقا لتصريح المبعوث الأمريكي الخاص بفنزويلا في 15 مارس/آذار 2019 لوكالة رويترز للأنباء فإن صادرات فنزويلا من النفط الخام تسجل هبوطا مطردا بنحو 50 ألف برميل شهريا، وأن الإنتاج من المرجح أن يتراجع عن مليون برميل يوميا في غضون شهر أو شهرين، وذلك بعد أن كان هذا الإنتاج يصل إلى 3 ملايين برميل يوميا عند بداية هذا القرن. وقد تم تقييد أيضا الحد من عائدات الإنتاج النفطي بشدة، لأن نحو نصف هذه العائدات يتم تسلمه بالفعل كنقد أجنبي من الصادرات، بينما باقي الإنتاج يتم إما بيعه محليا بأسعار تقل عن أسعار التكلفة وإما يتم تصديره للخارج وفاء للديون الأجنبية خاصة لكل من الصين وروسيا، حيث يتم نقل البترول لمصفاة لتكرير النفط في الهند مقابل خدمة الديون التي تدين بها فنزويلا لشركة النفط الروسية روسنفت التي لها حصة ملكية في المصفاة الهندية.

وتبلغ الطاقة المحلية القصوى لتكرير النفط الخام 1.3 مليون برميل يوميا، وتدير جميع المصافي الشركة العامة (PDVSA)، لكن تقدر بعض الجهات أن الطاقة الفعلية بلغت نحو 626 ألف برميل يوميا، أي أقل من نصف الطاقة القصوى في أوائل عام 2018، وتمتلك الشركة العامة أيضا حصصا كبيرة في مصافٍ تقع خارج البلاد، بحيث تصل طاقة التكرير نحو 2.7 مليون برميل يوميا. وأكبر هذه الحصص هي في مصافٍ في الولايات المتحدة بطاقة تبلغ نحو 28% من إجمالي طاقة التكرير، أي نحو 756 ألف برميل يوميا، وفي الكاريبي تبلغ هذه الحصة 23%، أي نحو 620 ألف برميل يوميا، وفي أوروبا 1%، أي نحو 27 ألف برميل يوميا.


انخفاض صادرات النفط

صدرت فنزويلا في المتوسط نحو 1.5 مليون برميل يوميا من النفط الخام في عام 2017، وهو ما يقل بنحو 10% عن المتوسط الذي تم تسجيله في عام 2016، وخلال الربع الأول من عام 2018 هبطت الصادرات الفنزويلية إلى قرابة 1.1 مليون برميل يوميا فقط، أي بانخفاض نسبته 26% مقارنة بمتوسط العام السابق. ومن المؤكد أن الصادرات انخفضت عن ذلك مع انخفاض مستوى الإنتاج في أعقاب ذلك. وقد انخفضت صادرات فنزويلا من النفط الخام للولايات المتحدة من 840 ألف برميل يوميا في ديسمبر/كانون الأول 2015 إلى نحو 506 ألف برميل يوميا في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وكانت أعلى الصادرات الفنزويلية للولايات المتحدة المسجلة تاريخيا هي 1.1 مليون برميل يوميا. وتأتي فنزويلا في المرتبة الثالثة كأهم مصدر للنفط الخام للولايات المتحدة بعد كل من كندا والمملكة العربية السعودية. وما زالت الولايات المتحدة تعد الجهة الأولى التي تستقبل النفط الفنزويلي، حيث تتلقى ما يزيد على 40% من إجمالي صادرات فنزويلا من النفط الخام. ويأتي في المرتبتين الثانية والثالثة كل من الهند والصين. ويقدر أن فنزويلا قد صدرت في المتوسط ما يزيد على 386 ألف برميل يوميا إلى الصين ونحو 332 ألف برميل يوميا إلى الهند في عام 2017.

وقد أدى استيلاء شركة كونوكوفيليبس على تسهيلات التخزين والتصدير التي تمتلكها فنزويلا في الكاريبي في منتصف يونيو/حزيران 2018 إلى إعاقة قدرة البلاد على الحفاظ على مستويات صادراتها، وفعلت "كونوكوفيليبس" ذلك حتى تم التوصل إلى اتفاق مع فنزويلا في أغسطس/آب 2018 لسداد مستحقات الشركة المتأخرة. وتعد هذه التسهيلات مهمة في تصدير النفط الفنزويلي المتجه لآسيا أي أكثر من نصف الصادرات الفنزويلية.

وإلى جانب النفط الخام تقوم فنزويلا بتصدير المنتجات النفطية أيضا للولايات المتحدة، حيث بلغت نحو 55 ألف برميل يوميا في عام 2017، وتعد صادرات المنتجات مستقرة عند هذا المستوى منذ عام 2013. ولكن الولايات المتحدة تقوم أيضا بتصدير بعض المنتجات النفطية إلى فنزويلا، وهو ما تزايد بشدة بعد الافتقار إلى التمويل المطلوب من أجل صيانة المصافي العاملة في فنزويلا. وقد قامت الولايات المتحدة بتصدير نحو 77 ألف برميل يوميا من المنتجات النفطية لفنزويلا، نحو 45% منها أي نحو 35 ألف برميل من المنتجات غير النهائية التي يتم مزجها مع النفط الفنزويلي الثقيل حتى يتسنى تكريره، بينما 55% منها أي نحو 42 ألف برميل من المنتجات النفطية النهائية.


فنزويلا وأوبك

اتجهت فنزويلا مع تسلم الرئيس الراحل تشافيز للحكم في عام 1999 إلى إحداث نقلة نوعية في طبيعة سياستها كدولة عضو بل ومؤسس لمنظمة أوبك. ففي حين دأبت فنزويلا قبل ذلك على عدم الالتزام بالحصة الإنتاجية التي يتم تحديدها حينما كانت تدعو تطورات أسعار النفط في السوق إلى تبني أوبك لنظام حصص الإنتاج، تحولت إلى واحدة من أكثر البلدان التزاما. وقد بدا هذا الموقف التعاوني مع بداية حكم تشافيز، حيث كانت الأسعار قد انهارت في أواخر عام ليبلغ سعر برميل النفط من نوع برنت أقل من 10 دولارات، ثم جاء اتفاق خفض الإنتاج بين أوبك وبمعاونة والتزام تام من فنزويلا في مارس/آذار 1999 ليدفع الأسعار نحو الارتفاع.

وقد بقيت فنزويلا في هذا الموقف الملتزم، إلا أن عدم استقرار مستوى الانتاج لأسباب مختلفة خصوصا مع الإضراب الذي شهده قطاع النفط الفنزويلي في عام 2002-2003 أدى إلى دعم الأسعار في البداية، ثم خفض هذه الأسعار بعض الشيء بعد ذلك، وبات هذا الموقف علامة على دور فنزويلا منذ عام 2014 واستمرار التقلب في إنتاجها. والآن ومع الانخفاض في الإنتاج السابق الإشارة إليه المتوقع هذا العام فقد يقدم هذا دعما للأسعار خلال الفترة المقبلة. وسيستمر ذلك ما استمر الموقف على حاله في فنزويلا، أما إذا وجدت الأزمة السياسية حلا لها واستطاعت فنزويلا العودة لزيادة الإنتاج فقد يمثل ذلك تطورا سلبيا على الأسعار في الأسواق، ولكن يبدو أنه من غير المنتظر حدوث هذا قريبا على أي حال.

تعليقات