الصين ترسم موازين القوى.. ثورة مدمرات بالبحر وتطوير ضخم بالدبابات
ثورة تصنيع وتسليح في البحر والبر، يقودها الجيش الصيني بأفرعه الرئيسية، تعيد رسم موازين القوى، وترسخ موقع بكين بالقوى الكبرى.
وعززت الصين حضورها في بحر الصين الجنوبي، بضم المدمرة الأحدث من فئة "تايب 052 دي" إلى الخدمة، لتصبح الوحدة الخامسة والثلاثين من هذا الطراز، ضمن مسار إنتاج غير مسبوق في تاريخها العسكري الحديث، بحسب مجلة "مليتري ووتش" المعنية بشؤون الدفاع.
ومع إضافة هذه السفينة، ارتفع عدد المدمرات الصينية من الجيل الأحدث إلى 45 قطعة، بينها عشر مدمرات من الفئة الأضخم "تايب 055"، في مؤشر واضح على حجم الاستثمار الصناعي والتكنولوجي الذي تراهن عليه بكين لإعادة تشكيل موقعها البحري عالمياً.
ولا تقتصر دلالة هذا التوسع على الأرقام وحدها، بل تمتد إلى السرعة الاستثنائية التي تحققت بها هذه القفزة، على حد قول المجلة.
فمنذ دخول أولى مدمرات تايب "052 دي" الخدمة عام 2014، ثم انضمام أولى وحدات "تايب 055" عام 2020، انتقلت الصين خلال فترة قصيرة إلى إنتاج سنوي يتراوح بين 6 و10 مدمرات، في وتيرة تعكس قدرة صناعية متقدمة وتخطيطاً طويل المدى لبناء أسطول قادر على العمل خارج نطاق المياه الإقليمية.

واستحوذ حوض جيانغنان على الحصة الأكبر من الإنتاج، فيما شكّل دخول أولى السفن المصنعة في حوض داليان إلى الخدمة محطة جديدة في توسع القاعدة الصناعية البحرية.
وتكتسب فئة "تايب 052 دي" أهمية خاصة داخل هذا المشهد؛ فهي لم تكن مجرد تطوير تقني للسفن السابقة، بل شكلت نقطة تحول نوعية في فلسفة البناء العسكري الصيني.
فرغم احتفاظها ببعض ملامح التصميم الخارجي للجيل الأسبق "تايب 052 سي"، لكنها جاءت بمنظومة إطلاق عمودية حديثة تضم 64 خلية متعددة الاستخدامات، ما منحها قدرة أكبر على تشغيل منظومة متنوعة من الأسلحة، تشمل صواريخ الدفاع الجوي بعيدة المدى، والصواريخ المضادة للسفن، والقدرات الهجومية البرية، إضافة إلى أنظمة الحرب المضادة للغواصات.
هذا التحول نقل المدمرة من منصة دفاعية محدودة المرونة إلى وحدة قتالية متعددة الأدوار قادرة على العمل ضمن شبكات معقدة، وفق المجلة.
وتتضح أبعاد هذا التطور أكثر عند النظر إلى البنية القتالية المتكاملة التي باتت تعتمدها البحرية الصينية.
وزُودت هذه المدمرات بروابط بيانات متقدمة تسمح بتبادل المعلومات آنياً مع السفن الأخرى والطائرات والغواصات والمنصات البرية، في مفهوم قريب من شبكات القيادة الغربية الحديثة.
وبذلك، أصبحت المدمرة الصينية تعمل كعقدة ضمن منظومة قتالية موزعة، لا تعتمد فقط على قدراتها الذاتية في الاستشعار والاشتباك، بل على قدرتها على الاندماج مع عناصر متعددة داخل ساحة المعركة.
وفي موازاة التصنيع البحري، تكشف المؤشرات الأخيرة عن توجه موازٍ على مستوى القوات البرية.
وأثارت الصور المتداولة لنموذج دبابة صينية جديدة أكبر وأثقل من طراز "تايب 100" التي ظهرت سابقاً، موجة واسعة من التحليلات بشأن مستقبل الدروع الصينية.
وتشير المعطيات إلى أن بكين قد تكون بصدد اعتماد عائلتين متكاملتين من دبابات الجيل الجديد، إحداهما أخف وأكثر مرونة، والأخرى أثقل وأكثر قدرة على التحمل والبقاء في ميدان القتال.
ويبدو أن فلسفة التصاميم الجديدة لا تركز على زيادة الوزن أو سماكة التدريع فقط، بل على إعادة تعريف مفهوم الحماية والقتال الشبكي.

فالتوجه نحو الأبراج غير المأهولة، ودمج الحساسات البصرية والحرارية والرادارية، وربط الدبابة بمنظومات الطيران والمدفعية والحرب الإلكترونية، يعكس انتقالاً من فكرة “المنصة المدرعة المستقلة” إلى مفهوم “المستشعر القتالي المتصل”، وفق "مليتري ووتش".
كما أن التركيز على حماية الطاقم داخل كبسولة مدرعة معزولة يشير إلى أولوية متزايدة لتقليل الخسائر البشرية في بيئات الاشتباك عالية الكثافة.
وتفتح هذه التطورات الباب أمام قراءة أوسع لمستقبل القوة العسكرية الصينية؛ إذ لم تعد الاستراتيجية قائمة على التوسع الكمي وحده، بل على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الإنتاج الضخم، والتحديث التقني، والقدرة على العمل المشترك بين مختلف الأفرع.
وبينما تواصل بكين توسيع أسطولها البحري وتطوير دبابات الجيل التالي، تبدو الرسالة الأوضح أن الصين تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة عسكرية وصناعية قادرة على المنافسة في ساحات تتجاوز حدودها التقليدية، على حد قول المجلة.