الرعي في اليمن يواجه ضغوط المناخ وتراجع الأمطار
تتزايد التحديات أمام مهنة الرعي في اليمن مع اتساع رقعة التصحر وتراجع الأمطار، الأمر الذي يضع الثروة الحيوانية والأمن الغذائي لملايين الأسر الريفية أمام اختبارات صعبة.
بين منعرجات الجبال وبطون الوديان الممتدة في الأرياف اليمنية، لا تزال أصوات الرعاة وهم ينادون قطعانهم تتردد في مشهد يعكس الارتباط العميق بين الإنسان اليمني وأرضه والأنشطة التي ارتبطت بحياته اليومية عبر أجيال متعاقبة.
ورغم استمرار مهنة الرعي في القرى اليمنية بوصفها أحد الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية، فإنها تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة نتيجة التغيرات المناخية والبيئية التي تهدد مساحات واسعة من المراعي الطبيعية، وتضع الثروة الحيوانية أمام مخاطر متزايدة.
الأمن الغذائي تحت الضغط

لم تكن مهنة الرعي في اليمن مجرد وسيلة للحصول على الدخل، بل شكلت على مدى سنوات طويلة جزءاً من نمط الحياة في الأرياف، وأسهمت في تعزيز الاكتفاء الغذائي الذاتي للأسر اليمنية، بحسب الخبير الزراعي المهندس حسين صالح الشرفي.
وقال الشرفي إن العلاقة الوثيقة بين الرعي والإنسان اليمني تعكس القيمة الاقتصادية الكبيرة للثروة الحيوانية في البلاد، باعتبارها مصدراً رئيسياً للدخل لملايين الأسر الريفية التي تعتمد على تربية الماشية والاستفادة من اللحوم والحليب ومشتقاته المستخدمة في صناعة الأجبان والسمن وغيرها من المنتجات.
وأضاف الشرفي، في تصريح خاص لـ"العين الإخبارية"، أن قطاع الثروة الحيوانية الذي يعتمد عليه عدد كبير من اليمنيين يرتكز بصورة أساسية على مهنة الرعي، التي تعتمد بدورها على وفرة المساحات الخضراء والمراعي المنتشرة في مختلف المناطق الريفية.
وأشار إلى أن هناك عوامل متعددة جعلت هذه المهنة عرضة لمخاطر متزايدة، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي لشريحة واسعة من العاملين في هذا القطاع، نظراً لأن تراجع الرعي يعني تراجع أعداد الماشية وتضرر الثروة الحيوانية في اليمن بشكل عام.
التغير المناخي وشح الأمطار

وأوضح الشرفي أن مساحة المراعي المتاحة في اليمن تتراوح بين 22 و26 مليون هكتار، وتشكل ما بين 40 و58% من إجمالي مساحة البلاد، وفق تقديرات وزارة الزراعة والري التابعة للحكومة اليمنية.
وأضاف أن هذه المساحات تمثل المصدر الرئيسي لغذاء الثروة الحيوانية، إلا أنها تواجه في الوقت الراهن تحديات متزايدة نتيجة التغيرات المناخية والتصحر الذي يهدد أجزاء واسعة من الأراضي الرعوية.
ولفت الخبير الزراعي إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تقلبات مناخية حادة وضعت الرعاة اليمنيين أمام موجات جفاف متلاحقة ناجمة عن انخفاض معدلات هطول الأمطار، الأمر الذي أدى إلى تحول مساحات واسعة من المراعي الطبيعية إلى أراضٍ جافة، وقلص البدائل المتاحة لتغذية الماشية.
وأضاف أن تراجع الأمطار تسبب في اختفاء عدد كبير من النباتات الرعوية المغذية، وهو ما انعكس سلباً على صحة الماشية ومعدلات تكاثرها، وأدى إلى انخفاض إنتاج اللحوم والألبان.
تداعيات اقتصادية متصاعدة
وكشف الخبير الزراعي عن أن تدهور المراعي واتساع رقعة التصحر دفعا عدداً من الرعاة إلى بيع مواشيهم بأسعار منخفضة، والانتقال إلى المدن بحثاً عن مصادر دخل بديلة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وأشار الشرفي إلى أن تراجع مهنة الرعي في اليمن لا يمثل خسارة لنشاط اقتصادي فحسب، بل ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي الذي يواجه تحديات إضافية نتيجة تداعيات الحرب، مؤكداً الحاجة إلى تدخلات وطنية عاجلة تشمل التكيف مع المتغيرات المناخية وتحسين إدارة الموارد المائية للحفاظ على استمرارية هذا القطاع الحيوي.