الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا جديدة لعلاج سرطان البنكرياس
يفتح الذكاء الاصطناعي مسارات جديدة في أبحاث سرطان البنكرياس، معتمداً على تحليل البيانات لفهم المرض وتحسين التشخيص والعلاج.
يعد سرطان البنكرياس من أكثر أنواع السرطان تعقيدًا ومقاومةً للعلاجات المتوافرة حاليًا، لكن في ظل الثورة الرقمية، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة قد تغير مستقبل البحث والعلاج.
وقالت محطة "فرانس.3" الفرنسية، إنه في مدينة تولوز الفرنسية، تقود الطبيبة فيرا بانكالدي مقاربة علمية مبتكرة تمزج بين البيولوجيا والبيانات الضخمة، في محاولة لفهم هذا المرض المستعصي من الداخل.
الأربعاء وبمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السرطان، سلطت مؤسسة" إي.آر.سي" الضوء على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في أبحاث السرطان.
ففي تولوز (إقليم أوت-غارون)، تستخدم الدكتورة فيرا بانكالدي البيولوجيا الرقمية لفهم سرطان البنكرياس، أحد أكثر السرطانات مقاومة للعلاج وأصعبها من حيث التشخيص والاستجابة العلاجية.
الذكاء الاصطناعي في قلب الطب الحديث
ولم يعد الذكاء الاصطناعي غريبًا عن المجال الطبي، إذ يُستخدم بالفعل في مجالات مثل الأشعة، والعلاج الإشعاعي، وتشخيص السرطانات النادرة، بوصفه أداة داعمة للأداء الطبي.
وبحسب مؤسسة "إيه .آر.سي"، فإن الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2026 أصبح قادرًا على استغلال الكمّ الهائل من البيانات الطبية، التي انتقلت من عشرات القيم الرقمية في عام 2000 إلى مليارات المؤشرات لكل مريض اليوم، وهو حجم يتجاوز قدرات الدماغ البشري على التحليل.
وتوضح المؤسسة أن هذه التكنولوجيا تُحدث تحولًا جذريًا في علم الأورام، من خلال تحسين دقة التشخيص، وتخصيص العلاجات، وتحسين جلسات العلاج الإشعاعي.

البيولوجيا الرقمية: فهم الورم من الداخل
تترأس الدكتورة فيرا بانكالدي فريقNetB(IO) في مركز أبحاث السرطان في تولوز، حيث تدرس بيولوجيا السرطان اعتمادًا على البيانات المستخرجة من التحاليل البيولوجية المتقدمة.
وتركز أبحاثها على البيئة الدقيقة للورم، أي الشبكة المعقدة من الخلايا التي تحيط بالخلايا السرطانية وتتفاعل معها، مثل الخلايا الليفية، والتي تلعب دورًا أساسيًا في تطور المرض.
وقالت بانكالدي: "نستخدم نماذج رياضية ومحاكاة حاسوبية لفهم العمليات الجارية داخل الأورام. نحن نتعامل مع كميات هائلة من البيانات، ولا يمكن استخراج المعنى منها دون الاستعانة بالحواسيب والذكاء الاصطناعي.
وهذه الأدوات تساعدنا على بناء نماذج تنبؤية، واكتشاف أنماط خفية داخل البيانات، ما يفتح الباب أمام معارف جديدة، سواء على مستوى البيولوجيا العامة أو حالة المريض الفردية.
محاكاة المرض… لاختبار العلاج
يدرس فريق بانكالدي التفاعلات بين مختلف أنواع الخلايا داخل الورم. ويكمن تعقيد سرطان البنكرياس في صعوبة اكتشافه المبكر، ومقاومته العالية للعلاجات، وضعف فرص الشفاء.
وتلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في:تحليل البيانات العلمية، وتفسير النتائج، والكشف عن خصائص بيولوجية دقيقة لم تكن مرئية سابقًا.
وشرحت بانكالدي: "من خلال محاكاة تفاعلات الخلايا داخل الورم انطلاقًا من بيانات المرضى، نستطيع مراقبة ما يحدث داخل الورم افتراضيًا، ثم اختبار تدخلات مختلفة: أي دواء نستخدم؟ بأي جرعة؟ وفي أي توقيت؟ كل ذلك بهدف إيقاف نمو الورم داخل الحاسوب قبل الانتقال إلى التجارب الحقيقية".

علاج مفصل لكل مريض
وبفضل البيولوجيا الرقمية، يأمل الباحثون في التوصل إلى علاج مُخصص لكل مريض، أو ما يُعرف بالعلاج “حسب الطلب”.
وقالت بانكالدي " نحن في بداية هذه المقاربات. ما زال أمامنا الكثير من العمل، لكن الفكرة هي بناء محاكاة قريبة قدر الإمكان من الواقع، ثم اختبار استراتيجيات علاجية مختلفة على الكمبيوتر، وعلى الخلايا، ثم على الحيوانات. وإذا أثبتت هذه النماذج دقتها، فقد نصل يومًا إلى تحديد العلاج الأمثل لكل مريض على حدة".
البيئة الدقيقة للورم: ثورة حقيقية؟
لا تتوّن الكتلة الورمية من خلايا سرطانية فقط، بل تضم عددًا كبيرًا من الخلايا الأخرى التي تدعم نمو السرطان.
وأوضحت بانكالدي: "إيقاف السرطان لا يعني فقط قتل الخلايا السرطانية، بل تغيير البيئة المحيطة بها، بحيث يتمكن الجهاز المناعي من أداء دوره، أو يتوقف تكاثر الورم، وربما حتى تقليص حجمه. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي بقوة".
سرطان البنكرياس: أمل واقعي في المستقبل
ويسمح الذكاء الاصطناعي بتسريع وتيرة الأبحاث، ما يمنح العلماء وقتًا أكبر لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة.
وقال بانكالدي: "لدي أمل حقيقي. كلما فهمنا البيانات بشكل أفضل، زادت قدرتنا على علاج مرضى لا يملكون اليوم فرصًا كبيرة. الأمل موجود، لكن علينا أن نستعد، لأن طريقة العمل ستتغير جذريًا".
وفي إطار اليوم العالمي لمكافحة السرطان، أصدرت مؤسسة"إيه.آر.سي" كتيبًا يسلّط الضوء على التحول الكبير الذي يُحدثه الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، مشيرةً إلى انتقال البحث العلمي من التركيز على المراحل المتقدمة من المرض، إلى الوقاية والكشف المبكر المُخصص باستخدام الخوارزميات التنبؤية.
ويؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل طبيب الأورام، بل سيكون أداة داعمة لاتخاذ قرارات أدق.
وكما تقول الدكتورة سارة واتسون: "أطباء الأورام الذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي سيستبدلون تدريجيًا بأولئك الذين يستخدمونه".