إسرائيل فوق رمال أمريكية متحركة.. أموال «أيباك» تصطدم بجدار الغضب
يواجه نفوذ جماعات الضغط الإسرائيلية في الولايات المتحدة، الذي كان من مسلّمات السياسة الأمريكية، تحديا غير مسبوقا.
فخلف المفاجأة التي شهدتها الانتخابات التمهيدية بأروقة الحزب الديمقراطي في الدائرة الحادية عشرة بولاية نيوجيرسي، تتشكل صورة لا تزال غائمة بشأن الأضرار التي لحقت بالنفوذ الإسرائيلي في واشنطن.
وأظهرت النتائج تعادلًا بين المرشحة التقدمية أماليليا ميجيا، والنائب السابق توم مالينوفسكي، لخلافة ميكي شيريل (التي أصبحت حاكمة الآن).
لكن خلف التفسير المباشر لاكتساب الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي زخمًا يعكس رغبة القواعد في تجديد الدماء، تتشكل ملامح لتحولات أكثر عمقًا تجاه تأثير لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) على السياسات العامة في واشنطن.
وبحسب موقع "أكسيوس" الأمريكي، أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية أكثر من مليوني دولار ضد مالينوفسكي، وهو ديمقراطي من التيار الرئيسي كان يحظى بدعم الجماعة سابقًا، وذلك بسبب استعداده لرهن المساعدات لإسرائيل بشروط.
وأشارت التقارير إلى أن "أيباك" فضّلت نائبة الحاكم السابقة تاهيشا واي، التي كانت تحظى بدعم أجزاء من مؤسسة الحزب الديمقراطي. ويرى المراقبون أن ذلك خلق فرصة لميجيا، التقدمية الأبرز في السباق، والتي حصلت على دعم السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز والكتلة التقدمية.
وقال ديمقراطيون آخرون لـ"أكسيوس" إن النتيجة كانت بمثابة "استفتاء" على أموال "أيباك" أكثر من كونها مقياسًا حقيقيًا لمكانة القوة الشعبية في الانتخابات التمهيدية حاليًا.
وقال النائب مارك بوكان، وهو ناقد صريح لـ"أيباك"، إن هذه الانتخابات كانت "أول اختبار حقيقي لأموالهم، وقد فشل فشلًا ذريعًا".
وأضاف: "نصيحتي لأي شخص هي تجنب دعمهم، فقد يكلفكم ذلك الكثير".
زلزال ممداني
ومثّل فوز زهران ممداني، أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك في انتخابات أواخر العام الماضي، زلزالًا سياسيًا أسقط أسطورة هيمنة اللوبي الإسرائيلي في أبرز مدن الولايات المتحدة.
ولم يكن انتصار ممداني مجرد صعود لشخصية من خارج المؤسسة التقليدية، بل كان بمثابة "استفتاء" شعبي ناجح ضد سطوة المال السياسي الذي تضخه جماعات الضغط، حيث تمكن من هزيمة خصوم مدعومين بتمويل ضخم من المليارديرات واللوبي الإسرائيلي، محولًا المدينة التي تضم ثاني أكبر تجمع لليهود في العالم إلى معقل لخطاب سياسي ينادي بإنهاء الدعم غير المشروط لتل أبيب.
وخلال حملته الانتخابية، التي واكبت الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة، لم يتردد ممداني في وصف العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع بأنها "حرب إبادة جماعية"، كما أظهر استعداده لتوقيف مسؤولين إسرائيليين في مدينته بموجب مذكرة توقيف من محكمة العدل الدولية.
كما شكّل فوز ممداني انتكاسة هيكلية لتأثير "أيباك" من خلال كسر "حاجز الخوف" لدى المشرعين الديمقراطيين؛ فقد أثبت أن القاعدة الناخبة الشابة، والتحالفات بين التقدميين والجاليات المسلمة واليهودية الليبرالية، أصبحت أكثر تأثيرًا من التبرعات المالية الكبرى.
وبحسب "أكسيوس"، فإن هناك الكثير من الانتخابات التمهيدية الأخرى هذا العام التي ستثبت ما إذا كان هذا السباق مجرد طفرة عابرة أم مؤشرًا لما هو آتٍ. إذ يواجه العديد من النواب القدامى المحسوبين على المؤسسة، مثل إيد كيس وستيفن لينش ودوريس ماتسوي، متحدين في الانتخابات التمهيدية جمعوا مبالغ كبيرة. كما تشهد العديد من الانتخابات المفتوحة في الدوائر "الزرقاء القوية" مرشحين تقدميين بارزين، مثل كات أبو غزالة في الدائرة التاسعة في إلينوي.
وقالت أماندا ليتمان، المؤسسة المشاركة لمنظمة: "لقد كان هذا صحيحًا في عام 2025، وسيكون صحيحًا في عام 2026: المؤسسة ليست عصية على الهزيمة، بل إنها فقط لم تتعرض للتحدي".
وأضافت: "الناخبون غاضبون؛ إنهم يريدون التغيير وقادة يمكنهم إقناعهم بأنهم سيقاتلون بضراوة. المال مهم، لكن غضب الناخبين أهم".
على الضفة الأخرى
وعلى ما يبدو، لم تستثنِ رياح التغيير الجمهوريين، إذ إن بروز تيار انعزالي داخل معسكرهم لم يعد يرى ضرورة لدعم إسرائيل، وفي قلب حركة "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى).
وبحسب مراقبين، يعتقد تيار رئيسي داخل "ماغا" أن الدعم غير المشروط لتل أبيب يمثل عبئًا يستنزف موارد البلاد.
ويقود هذا التيار حاليًا منظرون مثل تاكر كارلسون، ونواب أبرزهم مارجوري تايلور غرين.
ويعتقد رموز التيار المخلص لنداء الرئيس الجمهوري دونالد ترامب "أمريكا أولًا" أن الانخراط في صراعات الشرق الأوسط وحروب إسرائيل لم يجلب للداخل الأمريكي سوى الديون والتبعات السياسية.
وبعد أن كانت "أيباك" في مرمى نقد الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، انتقلت العدوى إلى قلب القاعدة الشعبية المؤيدة لترامب، وبات يُنظر إلى هذه المنظمة داخل دوائر "ماغا" بوصفها جزءًا من "الدولة العميقة" التي تسعى لتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية لخدمة أجندات غير وطنية.