في الفوضى التي أعقبت سقوط جدار برلين، وبينما كان نظام ألمانيا الشرقية يسابق الزمن لتمزيق أطنان من الملفات المُدانة، عثر ضابط شرطة رفيع على تقرير بالغ الغرابة والأهمية، فقرر الاحتفاظ به للأجيال القادمة.
أخفى الضابط الأوراق داخل حقيبته، وهربها إلى منزله، وظلت طي الكتمان لعقود قبل أن يتبرع بها إلى متحف «برلينر أونترفيلتن» المتخصص في الأنفاق والمنشآت السرية تحت الأرض في العاصمة الألمانية.
واليوم، يُنشر المتحف، الوثيقة للمرة الأولى، كاشفاً جانباً من واحدة من أكثر عمليات التجسس غموضاً وأهمية خلال الحرب الباردة.
فماذا تضمنت؟
في عام 1955، حفرت أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية نفقاً بطول 550 متراً داخل القطاع السوفياتي في برلين، وتمكنت عبره من التنصت على بعض أكثر خطوط الاتصالات السوفياتية حساسية، واستمرت العملية 11 شهراً قبل اكتشافها وفضحها أمام العالم.
أطلقت الاستخبارات البريطانية MI6 على العملية اسم «عملية ساعة الإيقاف» (Operation Stopwatch)، بينما منحتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية اسماً أكثر طموحاً: «عملية الذهب» (Operation Gold).
وللمرة النادرة، بدا التفاخر الأمريكي في محله؛ إذ أسفرت عملية التنصت عن تسجيل نحو 40 ألف ساعة من المكالمات، واعتراض 90 ألف رسالة، كشفت من بينها الإدانة السرية التي وجهها الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف إلى جوزيف ستالين، كما أوضحت أن الاتحاد السوفياتي لم يكن يعتزم جدياً غزو أوروبا الغربية، بحسب صحيفة «ذا تايمز».
كما يُعتقد أن العملية ساعدت في تحديد مواقع نحو 100 قاعدة عسكرية تابعة لحلف وارسو، وكشف هوية 350 جاسوساً من جهاز الاستخبارات العسكرية السوفياتية «GRU»، إلى جانب آلاف الضباط في الجيش الأحمر.
لكن الأخطر من ذلك، أنها أشارت أيضاً إلى امتلاك السوفييت مصدراً استخباراتياً بالغ الفعالية داخل الدائرة الأكثر حساسية في جهاز الاستخبارات البريطاني.
وقال هيلموت مولر-إنبرغز، المؤرخ الألماني المتخصص في شؤون الاستخبارات وأحد مؤلفي كتاب «عملية الذهب: نفق التجسس في برلين»، إن العملية يمكن مقارنتها بإنجازات مركز فك الشفرات البريطاني الشهير «بليتشلي بارك».
وأضاف: «كان المصدر بالغ الأهمية. في تلك الفترة كانت هناك ثقافة تبادل استخباراتي، وكانت الأجهزة البريطانية تعاني باستمرار للحصول على معلومات بشرية موثوقة».
وتابع: «أحياناً كان يتم استثمار طاقة هائلة للحصول على معلومات يتبين لاحقاً أنها بلا قيمة. أما عبر هذه المراقبة التقنية، فقد تمكنوا من تحقيق اختراق كبير دفعة واحدة».
عملية الذهب
ورغم الضجة الإعلامية التي رافقت كشف السوفيات وألمانيا الشرقية للنفق في أبريل/نيسان 1956، فإن تفاصيل «عملية الذهب» ظلت نادرة للغاية حتى اليوم.
فقد نشرت وكالة الاستخبارات المركزية لاحقاً عدداً محدوداً من التقارير المختصرة التي تفاخر بأهمية العملية، لكنها أبقت معظم الملفات سرية للغاية.
وفي وقت لاحق، عثر باحثون على وثائق إضافية داخل أرشيف «شتازي»، جهاز الشرطة السرية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، بينما التزمت الاستخبارات البريطانية والروسية الصمت الكامل بشأن القضية.
أما الوثيقة الجديدة التي نشرها مولر-إنبرغز، الرئيس السابق لقسم مكافحة التجسس في جهاز الاستخبارات الداخلي ببرلين، بالتعاون مع ديتمار أرنولد، مدير متحف «برلينر أونترفيلتن»، فهي النسخة الوحيدة المتبقية من تقرير لتقييم الأضرار، أُعد على عجل لوزير داخلية ألمانيا الشرقية عقب اكتشاف النفق.
وعلى المستوى الفني، تبدو الوثيقة ضعيفة ومليئة بالأخطاء الإملائية، بل إنها أخطأت حتى في تاريخ انتفاضة عام 1953 الشعبية ضد نظام ألمانيا الشرقية في برلين الشرقية.
غير أنها تضم أكثر من مئة صورة بالأبيض والأسود للنفق وأجهزة التنصت، ما يوفر كماً كبيراً من التفاصيل التقنية غير المعروفة سابقاً. ومع ذلك، يبقى الطول الدقيق للنفق محل جدل؛ إذ تشير بعض التقارير إلى أنه بلغ 550 متراً، بينما تتحدث أخرى عن 400 متر فقط.
ويرى مولر-إنبرغز أن القيمة الحقيقية للوثيقة تكمن «بين السطور»، موضحاً أنها تكشف أن الروايات الرسمية التي قدمها قادة «شتازي»، ومن بينهم ماركوس فولف، حول اكتشاف النفق، لم تكن سوى قصص ملفقة.
فبعكس الرواية الرسمية التي تحدثت عن اكتشاف النفق صدفة أثناء إصلاح كابلات متضررة بعد أمطار غزيرة، يبدو أن سلطات ألمانيا الشرقية كانت تعلم بوجوده منذ فترة طويلة.
زرع العملاء
وأشار إلى أن اللجنة السوفياتية-الألمانية الشرقية التي شُكلت للتحقيق ضمت عدداً كبيراً من الوزارات والأجهزة المتنافسة عادة، ما يعني -في رأيه- أن تشكيلها استغرق أسابيع أو حتى أشهراً قبل الإعلان الرسمي، ما يقود إلى أحد أكثر جوانب القصة غرابة؛ إذ إن جهاز الاستخبارات السوفياتي «KGB» كان على علم بمشروع النفق منذ لحظة ولادته داخل مقر القسم «Y» في جهاز الاستخبارات البريطاني الواقع في «2 كارلتون غاردنز».
والسبب في ذلك أن «العميل المزروع» داخل الاستخبارات البريطانية، الذي أشارت إليه بعض المكالمات التي تم التنصت عليها، لم يكن سوى جورج بليك، أحد أشهر العملاء المزدوجين في تاريخ بريطانيا، والذي كان يدوّن ملاحظات الاجتماعات ثم يمررها مباشرة إلى موسكو.
وقال مولر-إنبرغز إن الـ«KGB» سمح للعملية بالاستمرار نحو عام كامل «وعيناه مفتوحتان على مصراعيهما»، رغم معرفته الكاملة بحجم المعلومات المتسربة إلى الغرب.
ولا توجد أدلة على أن السوفيات استخدموا الكابلات لبث معلومات مضللة، رغم احتمال أنهم حوّلوا بعض اتصالاتهم الأكثر حساسية إلى قنوات أخرى لتجنب التنصت عليها.
ويعتقد المؤرخ الألماني أن أحد أسباب ذلك يعود إلى القيمة الكبيرة التي منحها السوفيات للعميل جورج بليك، إذ لم يرغبوا في المخاطرة بكشفه عبر التحرك المبكر لإغلاق العملية.
كما أتاح ذلك لـ«KGB» معرفة طبيعة المعلومات التي كان البريطانيون والأمريكيون يحصلون عليها.
وقال مولر-إنبرغز: «كان بإمكانهم النظر داخل حوض السمك ومراقبة حركة الأسماك. لم يكونوا بحاجة إلى البحث عن مصادر أخرى. بمعنى ما، انتصر الطرفان».
وتشير فرضية أخرى إلى أن جهاز «KGB» وجهاز الاستخبارات العسكرية «GRU» كانا يخوضان صراعاً داخلياً شرساً على النفوذ والمكانة، وربما كان من مصلحة الأول كشف عدد كبير من عملاء الثاني.
ودعا مولر-إنبرغز جهاز الاستخبارات البريطاني MI6 إلى كشف روايته الكاملة، مؤكداً أنه رغم أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ألين دالاس وافق شخصياً على العملية ومولها بمبلغ 6.7 مليون دولار، فإنها كانت في جوهرها «انتصاراً للحرفية الاستخباراتية البريطانية».
وقال: «في رأيي، كان الأمريكيون مجرد شركاء في الرحلة. أما الخبرة الفنية والقدرة اللوجستية على نقل كل هذه الأطنان من المواد الروسية إلى لندن وترجمتها وتحليلها، فهو إنجاز مذهل يذكرني شخصياً بما تحقق في بليتشلي بارك».