«الانتهازية السياسية» تحكم علاقة الإخوان وإيران.. إعادة تموضع بالسودان (خبراء)
رغم الرفض الشعبي العربي واسع النطاق لاعتداءات إيران على دول الخليج، خالف الإخوان كعادتهم الشارع العربي، وأصدروا بيانات وأطلقوا تصريحات تؤيد بوضوح طهران.
هذا التأييد ظهر تحديدا لدى أهم فرعين للإخوان في المنطقة: حماس في غزة، والحركة الإسلامية في السودان.
والعلاقة بين إيران وحماس ليست محل شك أو تأويل، فالطرفان يصدحان بها ليل نهار، وكذلك الأمر في السودان وإن كانت الحركة الإسلامية تمارس في علاقتها مع إيران نوعا من "التقية السياسة" أو "البراغماتية الانتهازية"، حسب تصريحات المحلل السياسي السوداني عثمان ميرغني لـ"العين الإخبارية".
ومنذ وصول التنظيم الإخواني للحكم في السودان في يونيو/حزيران 1989 عبر انقلاب عسكري نفذه الرئيس السابق عمر البشير، لم يعد خافياً استغراق إخوان السودان في تحالفات وأطر تعاون عسكري وسياسي مع إيران، رغم العزلة والحصار الدولي الذي ظل يعيشه النظام في طهران.
ولم تتوقف العلاقة بين إخوان السودان والنظام الإيراني بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير بثورة شعبية في أبريل/نيسان 2019، إذ استغل التنظيم الإخواني خريطة نفوذه القديم في أجهزة الدولة السودانية، وعبر أذرعه في المؤسسة العسكرية السودانية، ليتمكن من العودة مجدداً للسلطة عبر انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021 الذي قام بتنفيذه قائد الجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان.
وتحت مظلة السلطة الانقلابية للجيش السوداني، تم استئناف العلاقة مع طهران رسمياً بعد أن تمكن التنظيم الإخواني من إشعال الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان، لقطع الطريق أمام الجهود المحلية والإقليمية والدولية الساعية وقتذاك، لإنهاء انقلاب البرهان العسكري على الحكومة المدنية التي كان يرأس مجلس وزرائها عبدالله حمدوك.
وقال ميرغني إن العلاقات بين السودان وإيران حتى على المستوى الفكري كانت قوية جدا خصوصا في السنوات الأولى من الثورة، وهو ما ظهر في زيارات متبادلة وتدريب وتعاون في مجالات حساسة.
مواقف مخزية
وأشار إلى أن تعاطف الحركة الإسلامية مع إيران واضح جدا، وهو ما ظهر في تصريحات أطلقها القيادي فيها والقائد في لواء البراء ناجي عبدالله التي وصل فيها إلى حد عرض المساعدة العسكرية لإيران.
ورصدت "العين الإخبارية" مقطع فيديو متداولا على الإنترنت، قال فيه الناجي عبدالله، وهو أحد القيادات الإخوانية في السودان: "نحن نؤيد إيران ونقولها من هنا. أقولها باسم المجاهدين في السودان جميعهم، بمختلف كتائبهم ومختلف تنظيماتهم".
ولم يتوقف عبدالله عند إعلان الدعم المشبوه لإيران بل عرض إرسال قوات إلى إيران.
وأشار ميرغني أيضا إلى حديث وزير المالية في حكومة بورتسودان جبريل إبراهيم، وهو قائد حركة مليشيا العدل والمساواة، الأربعاء، في إفطار رمضاني نظمته جمعية تُسمى "التحالف من أجل العدالة"، التي فسر فيها الحرب في السودان بأنها "جزء من مخطط أمريكي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط".
وقال إبراهيم، حسب موقع الفيديو المتداول: "هذا المخطط شمل دولا سابقة والآن هو يستهدف إيران وتعقبها باكستان وتركيا"، داعيا هذه الدول إلى استلهام تجربة السودان.
واعتبر ميرغني أن إبراهيم لطالما يغرق في التحليلات السياسية الخاطئة، لافتا إلى أن تصريحاته تعكس "تعاطفا" مع إيران ينافي مشاعر الشارع العربي قاطبة.
خطاب إبراهيم ومن قبله ناجي عبدالله يعكسان "مؤشرا خطيرا للتقارب الإيراني السوداني في الأوضاع الراهنة".
منهج المراوغات
علاقة التعاون بين سلطة بورتسودان وطهران، تم الإفصاح عنها علناً إبان الحرب بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران الماضي، حيث أصدرت الحركة الإسلامية السودانية، الواجهة السياسية للإخوان المسلمين في السودان، بياناً رسمياً آنذاك، أعلنت فيه وقوفها غير المشروط مع إيران، ودعت لما سمّته "إعلاء راية المقاومة".
وخلال الحرب الدائرة الآن بين طهران وواشنطن وتل أبيب، التي تقوم فيها طهران بجملة اعتداءات سافرة ضد دول الخليج، تحاول سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، الاستمرار في نهج المراوغة والأكاذيب عبر إدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، إلا أنها في ذات الوقت تترك الساحة حرة وبلا قيود لعناصر التنظيم الإخواني في الكتائب والمليشيات العسكرية الإخوانية، ليتحركوا في أعمال دعائية بغرض إرسال رسائل تطمين للنظام الإيراني، بأن إخوان السودان يقفون إلى جانب النظام الإيراني في الحرب الدائرة الآن، ولا يترددون في دعمه سراً أو علناً.
وأشار ميرغني إلى أن منهج الحركة الإسلامية في علاقتهم بإيران هو "البراغماتية الانتهازية" أو "التقية السياسية"، فكلما احتاجوا لإيران خصوصا لجلب أسلحة تقربوا لها وتوددوا، لافتا في هذا الصدد إلى ما تردد عن شحنة مسيرات دعمت بها إيران الجيش السوداني.
لكن ميرغني أكد أن الحركة الإسلامية لا يمكن أن تقف ضد التيار العربي الجارف الرافض للاعتداء على دول الخليج، لذا يطلقون رسائل متناقضة، ففي حين يؤيدون إيران سرا وعلنا ويتعاطفون معها، تصدر بيانات تشكك في تلك المواقف المتعاطفة، حتى يمكن من خلالها المراوغة، لعدم احتساب تلك المواقف عليهم، لكن في النهاية هم يتعاطفون مع طهران قولا واحدا، عكس الشارع العربي.
شبكات إخوانية
وظل الجيش السوداني الذي تحول وفقاً لآراء خبراء ومراقبين سودانيين، إلى حاضنة إخوانية بامتياز، يحصل على الدعم العسكري الإيراني، عبر شبكة وساطات يديرها التنظيم الإخواني في السودان، وهو ما عدّه مراقبون، أحد أهم الأسباب التي ظلت تعرقل مسيرة السلام في السودان.
ناهيك عن التأثير السلبي لارتباط إخوان السودان بالنظام الإيراني، وتسهيل صفقات السلاح الإيراني لدعم الجيش السوداني في مواصلة الحرب، دون الاكتراث للجهود الدولية والإقليمية التي تعمل على إيقافها وفقاً لمسار التفاوض السلمي.
وظلت حكومة الجيش السوداني في بورتسودان، ترمي بثقلها في الرهان على الدعم الإيراني لكسب الحرب، مستفيدة من علاقات قديمة مع طهران، برع في إدارتها كوادر عسكرية ومدنية، تنتمي إلى التنظيم الإخواني الذي يسيطر على مراكز القرار في مؤسسة الجيش السوداني.
وفي فبراير/شباط من العام الماضي، نقلت وكالة "بلومبرغ" في تقرير لها عن مسؤولين غربيين أن إيران زودت الجيش السوداني بطائرات دون طيار من نوع "مهاجر 6″، مؤهلة لمهام الرصد ونقل المتفجرات، وذكرت أن "أقماراً اصطناعية التقطت صوراً لطائرة دون طيار من نوع "مهاجر 6″ الإيرانية في قاعدة وادي سيدنا شمالي أم درمان، وهي خاضعة لسيطرة الجيش".
وأشارت تقارير صحفية وقتذاك، إلى أن "السودان تلقى فعلاً شحنات من طائرة مهاجر 6 المسيرة، تم تصنيعها في إيران، بواسطة شركة القدس للصناعات الجوية، وتحمل ذخائر موجهة".
خطورة التحالف مع طهران
وفي الوقت الذي لم يعد خافياً على السودانيين وجود تحالفات مشبوهة بين التنظيم الإخواني في السودان والنظام في طهران. إلا أن مخاوف عديدة ارتفعت للسطح، بعد اشتعال الحرب الراهنة بين واشنطن وتل أبيب ضد النظام في إيران.
وأسهم شروع النظام الإيراني في توجيه هجماته العسكرية نحو عدد من دول الخليج، في استشعار السودانيين لخطورة تلك التحالفات المشبوهة التي يديرها إخوان السودان مع طهران دون تتبع لمدى التأثير الكارثي لهذه العلاقات على مستقبل السودان وعلاقته مع محيطه العربي.
وقال رئيس دائرة الإعلام بحزب الأمة القومي في السودان، المصباح أحمد محمد، لـ"العين الإخبارية" إنه كان من المرجح تلقائياً، أن تنعكس خطورة التعاون العسكري بين قيادات الجيش السوداني وإيران، مباشرةً على حلفاء طهران في السودان، وعلى رأسهم الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني- الواجهة السياسية للتنظيم الإخواني في السودان، اللذين أعادا التنسيق مع طهران وطلبا دعمًا عسكريًا مقابل التزامات استراتيجية، على حد قوله.
وأضاف المصباح، أن هذا الانخراط في العلاقة مع إيران سوف يسهم في إعادة السودان إلى واجهة الصراع الإقليمي، ويفتح الباب أمام تدخلات إسرائيلية تحت ذريعة تحجيم النفوذ الإيراني.
وأشار المصباح إلى تراجع النفوذ الإيراني بشكل ملحوظ هذا العام، مع تحييد أذرعها في لبنان واليمن، وسقوط النظام السوري، الحليف التاريخي لطهران. إلا أنه شدد على أن "التخبط في السياسة الخارجية لمعسكر الحرب في بورتسودان، من خلال الارتهان بأجندة التنظيم الإخواني، يهدد سيادة السودان ويزيد من هشاشته في ظل حرب طاحنة"، لافتاً إلى أن أمن البحر الأحمر، كممر استراتيجي حيوي، بات مهددًا بالتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
تدويل محتمل
مخاوف كبيرة أثارتها تصريحات بعض القيادات الإخوانية في السودان، عبر الجرأة في إعلان دعمهم للنظام الإيراني في حربه ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم أن إيران وجهت صواريخها ومسيراتها للهجوم على مرافق مدنية في دول الخليج. مراقبون في السودان تحدثوا لـ"العين الإخبارية"، استدلوا على مخاوفهم، بالتذكير بالهجوم الذي تعرضت له "بورتسودان" شرقي السودان، في بداية مايو/أيار الماضي، عبر مسيرات استراتيجية، استهدفت مواقع عسكرية مهمة وحيوية تتبع لقيادة الجيش السوداني، مشيرين إلى أن المسيرات استهدفت طائرة شحن عسكرية من طراز "إليوشن" قادمة من طهران، ومزودة بأسلحة مختلفة، بجانب متفجرات وصواريخ موجهة.
الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، كمبال عبدالواحد، قال لـ"العين الإخبارية" إن تداعيات التوتر القائم الآن بين إسرائيل وإيران من جهة، وبين إيران والولايات المتحدة من جهة أخرى، له تأثيرات محتملة على بورتسودان، وسوف ينعكس على الإمداد الحربي بصورة مباشرة، خاصة بعد اتخاذ السلطات الإيرانية تدابير أمنية سابقة بغلق المنافذ الجوية والبرية، مشيراً إلى أن إقلاع أي طائرة قد تحمل سلاحا من مطارات إيران سوف تكون عرضة للاستهداف المباشر من سلاح الجو الإسرائيلي، وهو ما عدّه كمبال بمثابة "تدويل" محتمل للحرب السودانية، نتيجة لأخطاء تقديرية وقعت فيها قيادات الجيش السوداني عبر إدارة تحالف مع طهران لإرضاء التنظيم الإخواني في السودان.
من جهته، قال ميرغني إن جزءا من الحركة الإسلامية يحمل "فكرا متطرفا" بخصوص التحالف مع إيران، وللأسف الشديد هذا الجناح في مركز قوة ومتنفذ في صناعة القرار لدى الجيش، لذلك نرى مثل تلك المواقف التي تناقض الهوى العربي سواء فيما يتعلق بالموقف من إيران أو حتى وقف الحرب في السودان.