صعود مجتبى خامنئي في إيران.. مرشد «صنعه» الحرس
لم يكن صعود مجتبى خامنئي لموقع المرشد الإيراني حدثا عاديا في تاريخ إيران، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من النفوذ غير المعلن بدوائر السلطة.
والأهم من ذلك أن توليه هذا المنصب يأتي تتويجا لمسار طويل من العلاقات الوثيقة مع أكثر مؤسسات الدولة نفوذاً، وفي مقدمتها الحرس الثوري.
وبحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، جاءت لحظة صعود مجتبى في أكثر الأوقات حساسية، بعد مقتل والده علي خامنئي في غارة جوية نسبت إلى التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وفي خضم مواجهة إقليمية مفتوحة تهدد بقاء النظام نفسه،
وبعد ساعات فقط من إعلان مقتل المرشد السابق، بثّت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية مشاهد نادرة لمجتبى خامنئي تعود إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي.
وظهر المرشد الجديد، وكان حينها مراهقاً، مرتدياً الزي العسكري إلى جانب مقاتلي الحرس الثوري في الخنادق، وهو يطلق بندقيته وسط رفاقه.
وحملت تلك اللقطات رسائل رمزية واضحة، إذ سعت طهران إلى تقديمه باعتباره نتاجاً لبيئة ثورية وعسكرية، ورجلاً ارتبط بالحرس الثوري منذ وقت مبكر، وهي العلاقة التي يُعتقد أنها لعبت دوراً محورياً في صعوده إلى قمة هرم السلطة.
شبكة نفوذ
تشير مصادر مقربة من العائلة إلى أن مجتبى حافظ على شبكة علاقات غير رسمية مع قادة الحرس الثوري على مدى عقدين على الأقل، بل لعب أحياناً دور الوسيط غير المعلن بين هذه المؤسسة العسكرية النافذة ووالده.
وقد منحه هذا الدور موقعاً مميزاً داخل النظام، وهيأه ليكون أحد أبرز المرشحين لخلافة المرشد الراحل في لحظة حاسمة.
ولم يكن صعوده مفاجئاً لكثير من المراقبين للشأن الإيراني، إذ ظلت التكهنات حول إعداده لخلافة والده تتردد لسنوات داخل الأوساط السياسية والدينية.
غير أن توقيت التزكية، الذي جاء عقب مقتل عدد من أفراد عائلته في الضربة الجوية نفسها، حمل رسالة تحدٍ مباشرة لواشنطن وحلفائها، مفادها أن الضغوط العسكرية لن تدفع طهران إلى تغيير مسارها السياسي.
في ظل الأب
وُلد مجتبى خامنئي في مدينة مشهد شمال شرق إيران قبل الثورة عام 1979 بثلاث سنوات تقريباً، وهو الابن الثاني بين ستة أبناء لعلي خامنئي.
تلقى علومه الدينية الأولى على يد والده، قبل أن ينتقل إلى مدينة قم، المركز الديني الأبرز في البلاد، لمواصلة دراسته على يد كبار علماء الدين.
مضى مجتبى في مسار ديني وأكاديمي مشابه لمسار والده، الذي تولى منصب المرشد الأعلى عام 1989. وعلى مدى عقدين، ابتداءً من عام 2004، تولى تدريس الدراسات الدينية المتقدمة في الحوزة العلمية في قم، ما عزز مكانته داخل المؤسسة الدينية.
ورغم هذا المسار العلمي، ظل مجتبى شخصية غامضة بعيدة عن الإعلام، ولم يظهر اسمه بقوة في المجال العام إلا خلال الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009.
حينها، اتهم سياسيون إصلاحيون الابن المنعزل بلعب دور خفي بالتنسيق مع الحرس الثوري لدعم إعادة انتخاب الرئيس المتشدد آنذاك محمود أحمدي نجاد.
وقد نفى المحافظون تلك الاتهامات، إلا أنها شكلت أول ظهور سياسي علني للرجل الذي سيصبح لاحقاً المرشد الأعلى.
رجل الظل قليل الظهور
على مدار سنوات طويلة، نادراً ما ظهر مجتبى في وسائل الإعلام، ولم يُسمع صوته علناً إلا مرة واحدة في مقطع فيديو قصير نُشر عام 2024 أعلن فيه تعليق دراسته الدينية في قم.
وتشير مصادر محلية إلى أنه يجيد اللغتين العربية والإنجليزية، كما شارك في صياغة بعض سياسات الدولة في مجالات التكنولوجيا والابتكار.
وهذا الغموض المحيط بشخصيته عزز صورته كرجل يعمل خلف الكواليس، وهو الدور الذي مكّنه من بناء شبكة علاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة دون أن يكون تحت الأضواء.
آلية الاختيار
ينص الدستور الإيراني على أن اختيار المرشد الأعلى يتم عبر مجلس الخبراء، وهو هيئة دينية مكونة من 88 عضواً تتولى تعيين شخصية فقهية تتمتع بالتقوى والبصيرة السياسية والاجتماعية اللازمة لقيادة البلاد.
وبحسب مقربين من المؤسسة الحاكمة، فإن مجتبى برز كأقوى المرشحين لخلافة والده بعد تراجع أو غياب معظم المنافسين المحتملين خلال السنوات الأخيرة.
فقد لقي الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، الذي كان يُنظر إليه كخليفة محتمل، مصرعه في حادث تحطم مروحية قبل نحو عامين.
كما لم يُسمح لمرشحين آخرين، مثل الرئيس السابق حسن روحاني أو حسن الخميني بالانضمام إلى مجلس الخبراء.
ورغم أن فكرة توريث القيادة أثارت سابقاً انتقادات داخل بعض الأوساط السياسية باعتبارها تناقضاً مع الطابع الجمهوري للنظام، إلا أن اندلاع الحرب والتصعيد العسكري الواسع غيّرا المعادلة.
ففي ظل شعور النظام بأنه يواجه تهديداً وجودياً، أصبح اختيار شخصية قريبة من مركز السلطة التقليدي خياراً أكثر قبولاً لدى مؤسسات الحكم.
تحديات
يجد المرشد الجديد نفسه أمام مجموعة هائلة من التحديات، فإيران تخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، بينما يواجه اقتصادها ضغوطاً هائلة نتيجة العقوبات الدولية الممتدة منذ سنوات.
كما تأتي قيادته في وقت يشهد فيه الداخل الإيراني توتراً اجتماعياً وسياسياً متزايداً، فقد اندلعت قبل أسابيع من توليه السلطة موجة احتجاجات واسعة اعتُبرت من أعنف الاضطرابات الداخلية منذ الثورة، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى
وفي الوقت ذاته، يظل المجتمع الإيراني منقسماً بحدة بين قاعدة مؤيدة للنظام وأغلبية متزايدة الانتقاد له، ما يجعل مهمة القيادة الجديدة أكثر تعقيداً في ظل تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الحاكمة.
استمرارية أم قطيعة؟
تشير مؤشرات أولية إلى أن مجتبى خامنئي يميل إلى مواصلة النهج السياسي والأمني الذي اتبعه والده.
فبحسب مقربين منه، ستظل أولويات النظام متمثلة في تطوير برنامج الصواريخ الباليستية، والحفاظ على شبكة التحالفات الإقليمية، ومواصلة ما تصفه طهران بمقاومة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
ويرى بعض المحللين أن الزعيم الجديد قد يفكر في إدخال إصلاحات محدودة بعد انتهاء الحرب، لكن من غير المرجح أن يقود تغييراً جذرياً في بنية النظام.
ويقول أحد أقاربه إن مجتبى كان الأقرب إلى والده والأكثر شبهاً به، مضيفاً أنه "سيفعل كل ما يلزم لتعزيز صمود النظام وبقائه، لكنه لن يسعى إلى تغيير وجودي".
إصلاح محدود وطموح شخصي
رغم ذلك، يرى مراقبون أنه من المبكر الحكم على مسار القيادة الجديدة، ولا يستبعد البعض أن يحاول مجتبى، إذا استقرت الأوضاع، اتباع نموذج إصلاحي محدود مع الحفاظ على الطبيعة السلطوية للنظام.
لكن نجاح أي مسار من هذا النوع سيظل مرهوناً بتطورات الحرب والضغوط الداخلية.
فبحسب خبراء، يتمتع المرشد الجديد حالياً بدعم مؤسسات الدولة الرئيسية، وفي مقدمتها الحرس الثوري. غير أن هذا الدعم قد يصبح أكثر هشاشة إذا انتهت الحرب ووجد النظام نفسه أمام اقتصاد منهك وشعب غاضب.