الموت المحمول جوا.. تقرير أمريكي يوثق هجمات لجيش السودان ترقى لجرائم حرب
من المستشفيات مرورا بالمساجد والأسواق وصولا إلى الأحياء السكنية وحفلات الزفاف، وثق تقرير أمريكي استهداف الجيش السوداني للمدنيين بدارفور.
التقرير الصادر عن "The Reckoning Project" وهو مشروع حقوقي أمريكي متخصص في توثيق جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، رصد سلسلة من الغارات الجوية قال إن الجيش السوداني شنها على إقليم دارفور، غربي البلاد، بين أكتوبر/تشرين الأول 2024 وأبريل/نيسان 2026.
ويوثق هذا التقرير غارات جوية وغارات بطائرات مسيرة وقعت في دارفور بين أكتوبر/تشرين الأول 2024 وأبريل/نيسان 2026، أسفرت عن مقتل وإصابة المئات، وتدمير سبل العيش، وترويع المجتمعات المحلية
كما أسفرت هذه الضربات عن مقتل وإصابة مئات المدنيين وتدمير منشآت مدنية، بينها أسواق ومستشفيات ومساجد وملاجئ للنازحين.
ويستند التقرير إلى شهادات 31 شاهدًا مباشرًا على غارات جوية أو غارات بطائرات بدون طيار.
الأسواق
في دارفور، لا تُعد الأسواق مجرد مساحات اقتصادية؛ بل هي مراكز للحياة حيث يتم شراء الأدوية، وتأمين الإمدادات الغذائية، وتبادل الأخبار، وتكوين العلاقات. وبالتالي، فإن قصف سوقٍ ما لا يقتصر على إحداث خسائر مادية فحسب؛ بل يضرب في صميم المجتمع في وقت يكون فيه المجتمع في أمس الحاجة إلى التماسك.
وفي نيالا وتحديدا في شارع السينما، قال التقرير إن غارة جوية استهدفت منطقة تجارية مزدحمة في 3 فبراير/شباط الماضي، ما أدى إلى مقتل 22 مدنيا على الأقل، بينهم أطفال ونساء وعمال وتجار وسائقو مركبات عامة.
ونقل التقرير عن شهود عيان، أن طائرة بيضاء تابعة للجيش السوداني ألقت ثلاثة قنابل على الأقل في ذلك اليوم في نيالا، الأولى على مستشفى نور العيون، ثم اثنتين على شارع السينما.
كما وثق التقرير ضربات أخرى قال إنها استهدفت مناطق مثل الكوما وفور برانقا ومنواشي وسراف عمرة والجنينة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، فضاً عن أضرار واسعة في الممتلكات والبنية التحتية.
وقال المشروع، إن هذه الهجمات تشير إلى نمط متكرر من استخدام القوة الجوية في مناطق مدنية، لافتا إلى وقوع ما وصفه بـ”الضربات المزدوجة”، حيث يتبع القصف الأول قصف ثان على الموقع نفسه، ما قد يعرض المدنيين وفرق الإسعاف للخطر.
وفي سوق تورا بشمال دارفور، يصف التقرير هجوم جويا، بأنه من أكثر الحوادث دموية، إذ أشار إلى أن طائرة يُعتقد أنها تابعة للجيش ألقت ثلاث قنابل على السوق في مارس/آذار 2025، ما أسفر عن مقتل نحو 450 شخصا، معظمهم من النساء والأطفال، وفق قوائم الضحايا والشهادات التي جمعها المشروع.
وفي هجوم مميت آخر وقع صباح يوم 4 أكتوبر 2024، ألقت طائرة حربية قنابل برميلية على السوق الرئيسي في الكوما، مما أسفر عن مقتل 79 شخصًا وإصابة حوالي 350 آخرين.
وتذكر أحد أفراد فرق الطوارئ في موقع الحادث المشهد المروّع لجثث النساء والأطفال والرجال الممزقة بين الأشجار المحيطة بالسوق، بينما كانت النيران تواصل التهام رفاقهم.
المنشآت الطبية
يحظر القانون الدولي الإنساني شن هجمات على المنشآت الطبية أو العاملين فيها أو المرضى. ومع ذلك، وقعت هجمات متكررة على المنشآت الطبية والعاملين فيها والمرضى في السودان، مما أسفر عن مقتل المئات وتدمير الخدمات الأساسية.
في 20 مارس/آذار 2026، كان الهجوم على المستشفى الرئيسي في الداين، الذي يقدم خدماته لحوالي 3.5 مليون شخص، بمن فيهم النازحون واللاجئون، أحد أسوأ الهجمات على المستشفيات.
وفي ذلك اليوم، ألقت طائرة بدون طيار تابعة للجيش، قنبلتين على مستشفى الداين.
وكان مازن، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان يبلغ من العمر 29 عاماً، عائداً من زيارة عائلته عندما سمع صوت الطائرة بدون طيار، تلاه دوي انفجارات.
وقال مازن: ”كان المشهد كارثياً“، إذ "أصابت القنابل أقسام الطوارئ والولادة والأطفال، مما أدى إلى تدمير المستشفى".
وأسفر الانفجار عن مقتل ما يصل إلى 70 شخصًا، بينهم 13 طفلاً وممرضتان وطبيب وخمسة من العاملين في المجال الطبي ، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
وكان الجيش قد شن هجوماً سابقاً على مستشفى الداين في 20 أغسطس/آب 2024، مما أدى إلى تدمير العديد من المباني داخل المجمع الطبي، وإجبار بعض الأقسام على إغلاق أبوابها.
وقال شاهد عيان، كان يقف بالقرب من المستشفى وقت وقوع الهجوم في عام 2024، إن الهجوم أسفر عن مقتل 22 شخصاً وإصابة 12 آخرين.
وفي الزورق، وهي بلدة تقع في الركن الشمالي الغربي لولاية شمال دارفور، أصابت طائرة بدون طيار تحلق على ارتفاع منخفض المركز الصحي والحي المحيط به.
ودمر الهجوم المركز الصحي وأصاب سوقاً قريباً، مما أسفر، حسبما ورد، عن مقتل 52 شخصاً في المركز، بمن فيهم شيخ بارز وأقاربه وممرضة معروفة بكونها أحد أعمدة المجتمع المحلي، بالإضافة إلى ذلك، أصيب 20 شخصاً، بينهم نساء وأطفال.
واتهمت قوات الدعم السريع، الجيش بتنفيذ الهجوم باستخدام طائرة بدون طيار.
التجمعات الاجتماعية
كما استهدفت الغارات الجوية التي شنها الجيش التجمعات، بما في ذلك حفلات الزفاف والاحتفالات، مما أدى إلى تقويض النسيج الاجتماعي للمجتمعات الدارفورية في وقت تشتد فيه حاجة الناس إليه، وفق التقرير.
وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ضربت طائرة بدون طيار تجمعًا مدنيًّا في حي إيرام على الطرف الشمالي من الكوما، حينما كان أفراد العائلة والجيران يستقبلون الشيخ أحمد ربيع باشيش عائدًا من رحلة علاجية في الخارج. وأسفر الانفجار عن مقتل 16 شخصًا، معظمهم من الأطفال.
ومساء يوم 8 أبريل/نيسان 2026، وتحديدا بين الساعة 7:00 و8:00 مساءً، ضربت طائرة بدون طيار منزلا كان يٌقام فيه حفل زفاف، وهو يقع مقابل مدرسة «العم» للبنات في حي «السلام» بمدينة كوتوم في شمال دارفور، مما أسفر عن مقتل العشرات، بينهم أطفال ونساء وشباب، وإصابة العشرات الآخرين، وفقاً لشهود عيان في موقع الحادث.
الكارثة تتفاقم
وخلص التقرير إلى أن تداعيات القصف لا تقف عند عدد الضحايا، بل تمتد إلى تدمير شبكات الحياة في دارفور، إذ أدى قصف الأسواق إلى تدمير مصادر رزق آلاف الأسر، وحرق البضائع والمركبات والماشية، وتعطيل حركة الإمداد في مناطق تعاني أصلا من الحصار والجوع وانهيار الخدمات.
فيما أدى استهداف المستشفيات والمراكز الصحية إلى حرمان مجتمعات كاملة من العلاج، في وقت تتزايد فيه الإصابات والنزوح وانعدام الأدوية.
وطالب التقرير، المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الضربات الجوية والمسيّرة ضد المدنيين في دارفور، وملاحقة المسؤولين عن إصدار الأوامر أو تنفيذ الهجمات.
كما دعا الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى الوقف الفوري للهجمات الجوية والمسيّرة ضد المدنيين والأعيان المدنية، والالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني، وفتح المجال أمام تحقيقات دولية مستقلة.
واختتم التقرير، بالتأكيد على أن ارتكاب أفعال كهذه في سياق هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجّه ضد السكان المدنيين قد يرقى إلى مستوى «جرائم حرب»، أو «جرائم ضد الإنسانية».