منذ سطوع نجم المسيرات على مسرح العمليات العسكرية خلال العقد الماضي، كان السؤال الأبرز هو كيف يمكن إصلاح الخلل في ميزان التكلفة؟
وعلى مرتفعات تطل على مياه بحر الصين الجنوبي، قدّمت مناورة عسكرية حديثة لقوات مشاة البحرية الأمريكية مؤشراً عملياً على تحول متسارع في طريقة التفكير داخل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تجاه أحد أكثر تحديات الحروب المعاصرة إلحاحاً: مواجهة الطائرات المسيّرة بأقل كلفة ممكنة ودون استنزاف مخزون الصواريخ عالية الثمن.
ففي مشهد بدا أقرب إلى اختبار ميداني لعقيدة جديدة، تمكنت وحدات المارينز من إسقاط طائرة مسيّرة ثابتة الجناحين باستخدام منظومة نيران متعددة الطبقات، قبل أن ينتهي الهدف في المياه الإقليمية الفلبينية، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
وبينما اعترف الجيش الأمريكي أن بعض الطلقات لم تصب الهدف مباشرة، لكن النتيجة النهائية حملت دلالة أعمق من نجاح مناورة واحدة، وهي أن المطلوب لم يعد دائماً صاروخاً بمليون دولار لإسقاط هدف لا تتجاوز قيمته عشرات الآلاف.
تأتي هذه المقاربة في ظل معادلة اقتصادية باتت تفرض نفسها على ساحات القتال الحديثة. فالقوات الأمريكية وحلفاؤها يواجهون تهديداً متنامياً من أسراب المسيّرات الرخيصة، سواء عبر الطائرات الانتحارية أو المنصات الصغيرة متعددة المراوح، في مقابل منظومات اعتراض تقليدية باهظة الكلفة.
يكمن جوهر التحدي في فجوة التكلفة الصارخة التي باتت ترهق ميزانيات الدفاع. فبينما تنشر القوات الأميركية وحلفاؤها في الشرق الأوسط صواريخ جو-جو متطورة مثل إيه آي إم-120 التي يصل سعر الواحد منها إلى مليون دولار وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، يواصل الخصوم إغراق الأجواء بطائرات "شاهد" الإيرانية الانتحارية التي لا تتجاوز تكلفتها 30 ألف دولار، وطائرات رباعية صغيرة تتراوح أسعارها بين 1500 و5000 دولار فقط.
في هذا السياق، تبرز منظومة الدفاع الجوي المتكامل لمشاة البحرية، المعروفة اختصاراً بـ«ماديس»، بوصفها محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة من خلال الدفاع المتدرج.
تتكوّن المنظومة من مركبتين تكتيكيتين خفيفتين، خليفتي مركبة "هامفي" العريقة، تتولى الأولى مهام الرصد عبر رادار متطور، بينما تحمل الثانية صواريخ "ستينغر" إلى جانب قدرات حرب إلكترونية تشمل التشويش على إشارات المسيّرات.
لكن المفاجأة الحقيقية التي حملتها المناورة الفلبينية تكمُن في الطبقة الدفاعية الأقل تكلفة: رشاش آلي ومدفع عيار 30 ملم يطلق ذخائر متخصصة مزوّدة بصاعق تقارب. هذه القذائف، التي تنفجر بمجرد الاقتراب من الهدف دون الحاجة إلى إصابة مباشرة، تمثل نقلة نوعية في حسابات التكلفة.
وبحسب ستيفن سويرز، فني الذخائر السابق في وكالة الدعم اللوجستي والمشتريات التابعة للناتو، حتى لو تطلّب إسقاط طائرة واحدة خمس طلقات، فإن التكلفة الإجمالية لن تتجاوز 11,250 دولاراً أميركياً.
تتجلى الميزة الاستراتيجية لهذا التدرج التسليحي في مرونة القرار الميداني. يقول توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "ستكون صواريخ ستينغر أكثر فاعلية، لكن عددها سيبقى محدوداً"، في إشارة إلى ضرورة حصر استخدامها في التهديدات العالية القيمة.
ويبلغ سعر الصاروخ الواحد من هذا الطراز نحو 430 ألف دولار، فيما تتراوح كلفة طائرة "كويوت" الاعتراضية المسيّرة بين 100 و125 ألف دولار. أما القذائف عيار 30 ملم فتُشكّل، وفق سويرز، شبكة أمان موثوقة حين تفشل وسائل التشويش الإلكتروني في تحييد الخطر قبل بلوغه مداه.
غير أن هذا التحول نحو الذخائر الذكية منخفضة الكلفة يصطدم بعقبات صناعية غير متوقعة. فصمامات التقارب، وهي أجهزة كهروميكانيكية بالغة الدقة، لا تزال خطوط إنتاجها الواسعة محدودة عالمياً.
وقد استجابت كبريات شركات الصناعة العسكرية لهذا الطلب المتزايد؛ حيث فازت "نورثروب غرومان" بعقد يتجاوز 200 مليون دولار لتزويد الجيش الأميركي بهذه القذائف، وأعلنت استثمارها في توسيع مرافقها وأبحاثها.
كما أكدت شركة "إل3 هاريس" أنها تضاعف طاقتها الإنتاجية بسرعة لتلبية الطلب على تشكيلة واسعة من هذه الصمامات المتخصصة.
تعكس هذه الديناميكية تحولاً في العقلية العملياتية لقوات المارينز، الذين يستعدون لسيناريوهات قتال محتملة في أرخبيل المحيطين الهندي والهادئ.
هكذا تبدو الرسالة التي خرجت من التدريب الفلبيني أبعد من مجرد اختبار سلاح جديد؛ إنها إعلان عن انتقال تدريجي من منطق التفوق الناري المطلق إلى منطق إدارة التكلفة والاستدامة القتالية. ففي الحروب المقبلة، قد لا يكون السؤال: ماذا نملك لإسقاط الهدف؟ بل: ما أرخص وسيلة تمنع وصوله؟