ثقافة

بالصور.. الوجه "السينمائي" لـ الأبنودي

الثلاثاء 2016.4.12 07:29 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 600قراءة
  • 0 تعليق

مع بدء العد التنازلي للذكرى الأولى لرحيل الشاعر المصري الكبير عبدالرحمن الأبنودي في 21 إبريل الجاري، ترى بوابة "العين" هذه المناسبة فرصة لإعادة تأمل وجه آخر لهذه القامة التي مزجت الشعر بالسينما، وأعادت صياغته على نحو متفرد في تجارب محدودة لكنها تبقى علامات في تاريخ هذا السينما.

فلم يكن عبدالرحمن الابنودي مجرد شاعر عامية حفر لنفسه اسما ومكانة بجوار أسماء مثل فؤاد حداد وصلاح جاهين وسيد حجاب وفؤاد قاعود، على مدار ما يقرب من نصف قرن تقريبا.

فقد غنى له عمالقة كبار من أمثال عبدالحليم حافظ وصباح وفايزة أحمد ومحمد رشدي ونجاة ومحمد منير وعلي الحجار أروع الصور والكلمات.

وعبر 20 ديوانا شعريا ومجموعة من الأفلام والمسلسلات كانت لغة الصورة السينمائية هي الطاغية طول الوقت على ما يكتبه الأبنودي، فحتى دواوينه حملت أسماء سينمائية من نوعية (وجوه على الشط، المشروع والممنوع، صمت الجرس، المدّ والجزر، الأحزان العادية، الموت على الأسفلت)، وهذا الأخير كان بالفعل اسما لفيلم سينمائي، وعادة ما يلقي أشعاره بأداء تمثيلي صادقا من القلب مما يؤثر في المتلقي ويشعره بالاندماج.

وأغنياته بدورها تحمل هذه الوميض الذي يشع حركة وصخبا وضوءًا وحوارًا مؤثرًا وموحيًا في الوقت نفسه، مما يمكن معه اعتباره شاعر السينما الملحمية ربما لطغيان الأسلوب الملحمي على الأعمال القليلة جدا التي كتب لها السيناريو والحوار أو تلك التي كتب الأغنيات الدرامية لها مثل فيلم (البريء) الذي يناقش قضية قمع الحرية باستخدام جهل الأبرياء في كل زمان ومكان.

شيء من الخوف:

أما فيلم (شيء من الخوف) الذي كتب له السيناريو والحوار الأبنودي فهو عمل ملحمي بكل إشارة وإيماءة ولمحة فيه.. إنه واحد من كلاسيكيات السينما المصرية الذي جاءت مشاركة الأبنودي في كتابته بالإضافة لأغنياته مجرد صدفة، وان كانت خيرا من ألف ميعاد.

فكما يروي الأبنودي نفسه أنه كان فى زيارة إلى استوديو النحاس، وفجأة وجد أمامه حسين كمال يقول له «انت فين؟ أنا بادوّر عليك.. خد السيناريو ده اعمل الأغاني بتاعته، بس أنا عايزه بصورة ملحمية مختلفة، ومعاك شادية ومعاك الكورال».

أمسك الأبنودي الورق، وقرأ السيناريو والحوار الذي كتبه صبري عزت، لكنه شعر بحاسة الشاعر أن الفيلم بهذه الصورة سيخرج عاديا، قد يكون جيدا لكنه ليس ملحميا كما يريد حسين كمال، فقرر أن يعيد كتابته دون أن يأخذ رأي أحد أو يستشير أحدًا، فقد كان يدرك أنه لو طلب ذلك من حسين كمال لقابله بالرفض، لأن كل شيء كان جاهزًا لبدء التصوير خلال أيام قلائل، لكن الأبنودي الصعيدي نفذ ما في رأسه فقط، ولم ينَم أربعة أيام متتالية إلا قليلا، وبدأ بالفعل يكتب مشاهد ويحذف أخرى حتى كتب الفيلم من بدايته حتى نهايته وفقًا لرؤيته، ونقل الحوار من لهجته البحراوية إلى اللهجة الصعيدية، ومزج بين الأغاني والحوار.
تيمات القهر:

ومن المؤكد أن حوار هذا الفيلم يعد بالفعل واحدًا من أهم وأمتع وأخلد ما كتب للسينما في قضايا الطغاة بالذات، وفي تيمات القهر الشائعة، حتى الأغاني من نوعية «أهوه أهوه بالضحكة ده بالخلقة ده مالي البلد دي الخوف» في صميم النسيج الدرامي الملحمي، فلا توجد أغنية يمكن حذفها من الفيلم دون أن يتأثر السياق الأسلوبي للفيلم.

الطوق والأسورة:

ورغم اعتراض الأبنودي نفسه على فيلم آخر مهم كتب له الحوار هو (الطوق والأسورة) عن رواية الأديب يحيى الطاهر عبدالله وإخراج خيري بشارة، من زاوية أن المخرج استعان ببعض فرق التمثيل بالأقصر لتحفيظ الممثلين، وأن لهجة الأقصر تختلف تمامًا عن تلك اللهجة التي كتبها الأبنودي، بل إنه يصر على أنه لم يفهم بعض الكلمات التي قيلت على لسان بعض الشخصيات على الرغم من أنه كاتب الحوار، إلا أن هذا الفيلم يعتبر دليلا آخر على ذلك الشعر السينمائي الذي يتسلل من بين ثنايا الحوار، والذي يعد بدوره واحدًا من أهم كلاسيكيات السينما المصرية والعربية.

أغنية الموت:

ورغم ذلك كان الأبنودي يرى أن كتابة السيناريو والحوار ليست مهنته وأنه «مجرد ضيف» إلا أنه دعي للمشاركة في تجربة ثالثة كتب لها السيناريو والحوار وهي (أغنية الموت) عن قصة لتوفيق الحكيم اختارتها فاتن حمامة، وأسندت إخراجها لسعيد مرزوق في فيلم تلفزيوني، وكان اختيارها للأبنودي بعد أن شاهدت «شيء من الخوف»، ورسم الأبنودي "سيناريو" لمكان يشبه بيت جدته «ست أبوها» في أبنود، والغرفة، والسلم الطيني، والسور المبنى بأزيار الماء المقلوبة، والملابس والوشم على الوجوه، وباب البيت ذو الضلفة الواحدة الذي يصدر عند فتحه وإغلاقه أنينا يشبه أنين السواقي، ولم يقدر لهذا العمل أن يأخذ حظه من العرض حتى على شاشة التلفزيون لكنه يظل واحدًا من الأعمال المهمة في تاريخ الأبنودي وسعيد مرزوق وفاتن حمامة.

وقد كتب الأبنودي بعد ذلك بسنوات حوار مسلسل «وادي الملوك» المأخوذ عن قصة «يوم غائم في البر الغربي» للأديب محمد المنسي قنديل، وكانت تجربة مجهدة لشاعر تعود على الإيقاع المتدفق والمكثف في الشعر والسينما.. لذا لم يكررها بعد ذلك

السيرة الهلالية:

والجهد التوثيقي الكبير والمهم للتراث الفلكلوري، الذي تمثل في عكوف الأبنودي ما يقرب من ربع القرن على جمع وتدوين "السيرة الهلالية" من رواتها في صعيد مصر وفي تونس ومدن المغرب العربي، ليصدرها كاملة في خمسة أجزاء تتناول سيرة قبيلة بني هلال، ورحلتها من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى الأراضي التونسية شمال القارة الإفريقية بمثابة إبداعا يستحق روايته سينمائيا أيضا.

فقد كان قدر ابن الصعيد شاعر الملاحم أن يكون أيضا حكاء مشبعا بالتجربة والتفاصيل والدراما، وهو ما سطره أيضا في مذكراته التي أسماها (أيامنا الحلوة) وتصلح بدورها لتحويلها للسينما.. فالملحمة والحكاية جزء من نشأة وتكوين عقل وروح الأبنودي، والسرد جزء حميمي من تكوين الخال كما يناديه كل من عرفه، ولذلك كان يستحق أن يكون شاعر السينما والتجربة المشبعة بالشجن والإنسانية والملحمية.

تعليقات