سياسة

كولن وأردوغان.. محطات من الانتهازية والعداء في علاقة الأستاذ وتلميذه

السبت 2018.12.15 01:55 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 2141قراءة
  • 0 تعليق
أردوغان رد جميل كولن بالنكران

أردوغان رد جميل كولن بالنكران

لُقِّب بـ"مارتن لوثر" الإسلام أو "غاندي" تركيا، ولكن بعد عام 2011 كان للرئيس التركي رجب طيب أردوغان رأي آخر يتماشى مع أطماعه في الحكم والسيطرة على مفاصل البلاد.

فتح الله كولن أستاذ الأمس صار عدو اليوم، والتقرير التالي يستعرض حركة فتح الله كولن من التأسيس وخدمة الأتراك حتى التهميش وبطش أردوغان.


فتح الله كولن وحركة الخدمة

كولن الذي يتمتع بشعبية كبيرة في تركيا، رجل دين إصلاحي من مواليد عام ١٩٤٢، وأحد أتباع العلامة سعيد النورسي، يتمتع بثقافة واسعة، حمل على عاتقه منذ انشغاله بالعمل العام في تركيا نقل تعاليم سعيد النورسي إلى العالم بطريقة مبتكرة، تثبت قدرة الإسلام على التشكيل الحضاري، وتقوم فلسفة فتح الله كولن على إيجاد مجتمع إسلامي ملتزم، ويكون في الوقت نفسه متلهِّف للمعرفة والتكنولوجيا الحديثة والتقدم.

نشر كولن أكثر من 60 كتابا باللغة التركية، وأُدرِج في مجلة "فورينك بوليسي" كأفضل مفكر لشهر مايو 2008، وقد نجح في حشد مئات الآلاف من الناس لغرض خدمة المجتمع من خلال التوحيد حول القيم الإنسانية العالية، ورغم مكانته بين الناس، فإن كولن لا يعتبر نفسه إلا واحدا من المتطوعين في حركة المجتمع المدني، ولم يعتبر نفسه قائدا.

ظهرت حركة الخدمة في تركيا عام 1966 على أساس أفكار واجتهادات كولن، أُطْلِقَ عليها اسم "الخدمة" نظرا لطبيعة أنشطتها القائمة على خدمة الإنسانية في مجال التربية والتعليم، وقد ظهرت أول مؤسسة أنشأتها لاستقبال الطلبة بتأثير من أفكار كولن عام 1974 في مدينة إزمير، ومنها إلى بقية أنحاء تركيا، حيث تُعَدُّ الخدمةُ واحدة من أكثر الحركات المدنية انتشارا.

مع بداية التسعينيات، وانطلاقا من النجاح الداخلي للحركة؛ توسعت جماعة الخدمة خارجيا؛ فأسست مدارس لها في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وآسيا الوسطى، وامتد نشاط المتطوعين، خاصة المعلمين والتجار إلى القارات الخمس في 170 دولة عبر العالم.


مراحل العلاقة بين كولن وأردوغان

سار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ انشغاله بالعمل السياسي، على نهج انتهاز الفرص والاستفادة من المحيطين، وكانت في ذلك التوقيت حركة الخدمة تمتلك قاعدة شعبية كبيرة في تركيا، ومن هنا بدأت المرحلة الأولى في العلاقة بين كولن وأردوغان، وبحسب المتابعين للشأن التركي وُصِفت المرحلة الأولى بـ"الأستاذ والتلميذ"، حيث يعد أردوغان واحدا من خريجي مدرسة كولن.

بدأت المرحلة الثانية وهي مرحلة تأييد أردوغان المطلق للحركة ولأستاذه فتح الله كولن، واشتد ولاء أردوغان مع بداية خوضه الانتخابات، ففي عام 1994 فاز أردوغان نتيجة تقربه من أستاذه والاستفادة من القاعدة الجماهيرية، بمنصب عمدة إسطنبول بعد أن فشل في عدد من الانتخابات السابقة في ذلك التوقيت.

وفي عام 2002 خاض حزب العدالة والتنمية الانتخابات التشريعية وفاز منه 363 نائبا مُشكِّلا بذلك أغلبية ساحقة، وظلت العلاقة والاستفادة من حركة الخدمة في جميع الانتخابات.

استمرت حركة الخدمة التي لا تمتلك هيكلا هرميا، ولكن لها شعبية جماهيرية ومالية، في التوسع والتغلغل، حيث اعتمد عليها حزب العدالة والتنمية الناشئ ذو المرجعية الإخوانية في رسم السياسات التعليمية والثقافية التركية، وفي تلك المرحلة كانت الإشادات من أردوغان وحزبه مستمرة بمجهودات حركة الخدمة، حتى تنظيم الإخوان الإرهابي الذي وصف كولن بالمجاهد كان يدعم الحركة من خلال فروعها في الخارج، من أجل زيادة قاعدة التنظيم الإرهابي.

وصل أردوغان، الذي انتهز قاعدة الخدمة، إلى رئاسة مجلس الوزراء، وسرعان ما انقلب هو وحزبه ذو الخلفية الإخوانية على الأصدقاء للانفراد بالسلطة.

بداية الخيانة والتصفية

حزب أردوغان الطامع في السيطرة على السلطة الكاملة بدأ في مسلسل شيطنة حركة الخدمة على أرض الواقع، نهاية 2010، حيث بدأ الصراع على النفوذ الذي سبب شرخا في الشراكة الاستراتيجية بين الجماعة وحكومة أردوغان خلال أزمة السفينة التركية "مرمرة" خلال توجهها لكسر الحصار على غزة، وفي ذلك الوقت قال كولن إن "الجانب التركي هو المخطئ لأن مرمرة لم تحصل على إذن لدخول غزة"، واصفا ذلك بـ"التعدي على الشرعية".

ولكن حزب أردوغان وتنظيم الإخوان حاولا المتاجرة كالعادة بالقضية الفلسطينية والتسويق لحادث السفينة "مرمرة"، للبحث عن قاعدة شعبية وجماهيرية بعيدا عن حركة الخدمة.

عام 2013 كان الصدام، ففي مايو/أيار من العام نفسه، اصطدمت الشرطة التركية بمتظاهرين أتراك من أتباع حركة خدمة في «ميدان تقسيم»، وهم يحتفلون بما يشبه عيد العمال؛ ما فجّر أزمة بين فريق أردوغان وفريق حركة خدمة.

اللافت للانتباه أن تلك القوى اعتادت الاحتفال في هذا الميدان منذ سنوات طويلة، وتعكس فعاليات الاحتفال بشكل كبير موقف الأتراك من النظام الحاكم، وهنا قررت حكومة أردوغان القيام بعدة مشروعات لتغيير معالم الميدان لمحو رمزيته في الحياة السياسية التركية.

فكان تعامل الشرطة بعنف مفرط مع المتظاهرين، ما أدى إلى اندلاع المظاهرات في مدن تركية أخرى، وهنا يحاول أردوغان الخروج من الورطة باستحضار العدو الداخلي؛ حينما اندفع في اتهام فتح الله كولن مؤسس جماعة الخدمة بتدبير أزمة ميدان تقسيم، مدعيا أن قوات الأمن التي تعاملت بعنف مفرط مع المحتجين الذين هم من أنصار كولن، يسيطرون على مواقع مهمة داخل قوات الشرطة التركية، وعلى أثر ذلك قام بالتخلص من مئات القيادات الأمنية.

بعدها بشهور قليلة استطاعت الشرطة التركية وهيئة الادعاء العام الكشف عن مجموعة قضايا فساد كبيرة، تورّط فيها وزراء ومسؤولون وأبناء مسؤولين وامتدت لتطال أسرة أردوغان.

ومرة أخرى استحضر أردوغان العدو المصطنع مندفعا نحو اتهام جماعة الخدمة بالسيطرة على القضاء، وفي عام 2015 شنّ أردوغان حملة ضارية وهجوما شرسا على الجميع، متهما حزب الشعب وجماعة الخدمة وحزب الشعوب الديمقراطي، بالتواطؤ معا من أجل تدمير الهوية الإسلامية لتركيا، ووقف مشروع تركيا المستقبل.

ظلت حملة التصفية والمطاردة مستمرة حتى جاء الانقلاب المزعوم في يوليو/تموز 2016 ليكون طوق نجاة لنظام أردوغان وفرصته للتخلص بشكل كبير من كولن وجماعته عبر تحميلهم مسؤولية والتخطيط للانقلاب الفاشل.

فمنذ الإعلان عن الانقلاب، سارعت قيادات الحزب إلى اتهام الخدمة، وباشرت السلطات تنفيذ حملة اعتقالات لم يشهد لها مثيل طالت عشرات الآلاف من الموظفين في الشرطة والجيش والقضاء والمخابرات والتعليم والمالية، بالإضافة إلى غلق مئات المؤسسات التعليمية والإعلامية، واستمرت الحملة حتى اليوم.

كولن والإخوان

أردوغان الذي رضع الأيديولوجية الإخوانية الوصولية صاحب مدرسة خاصة في الانقلاب على المبادئ وصناعة العدو الوهمي وشيطنة الآخر، مهما كلفه ذلك، وصولا لنفوذ ومطامع عثمانية خيالية تتعلق بالهيمنة.

فبعد مسلسل الانقلاب، أصدر تنظيم الإخوان بيانا لتهنئة أردوغان بفشل الانقلاب، وطالبت خلال بيانها باستمرار حملة الاعتقالات ضد كل معارضيه.

قيادات الجماعة حرّضت أردوغان على إعادة عقوبة الإعدام من أجل تنفيذها على المعارضة، وشنت هجوما عنيفا على فتح الله كولن، بعد أن كانت تصفه قيادات التنظيم بالمجاهد.

تعليقات