ثقافة

رحيل إدوار الخراط.. رائد الحداثة والتجريب في مصر

الثلاثاء 2015.12.1 03:38 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 268قراءة
  • 0 تعليق

عن تسعة وثمانين عاما، توفي الكاتب والروائي المصري الكبير إدوار الخراط (1926-2015)، الثلاثاء، بعد صراع مع المرض، توفي الأديب الذي يعتبر اسمًا متفردًا في الكتابة الأدبية على مستوى مصر والعالم العربي، حيث تمثل أعماله اتجاهًا متطورًا في الكتابة الرمزية والحداثية، وظل لسنوات طويلة يمارس الإبداع والكتابة التجريبية دون أن يسترعي ذلك انتباه النقاد، فباستثناء دراسة أو دراستين على الأكثر، لم يحظ الخراط بدراسة وافية وشاملة تكشف عن ملامح وسمات مشروعه الإبداعي.

وقد جاء إنتاج الخراط الأدبي، المتنوع بين الرواية والقصة والشعر، على خلفيات ثقافية وفكرية متنوعة أيضًا، أبرزها وأهمها: التاريخ المصري القديم، التصوف في الديانات التوحيدية الثلاث، تقاليد المدرسة الرمزية بتطوراتها الفرنسية والإنجليزية المختلفة، بدءًا من مالارمه وبودلير حتى ييتس، شبقية الماركيز دو ساد العنيفة، والتجربة الداخلية لدى الكاتب والمفكر الفرنسي جورج باتاي، مطعمًا ذلك كله باستبصارات الكاتب الفرنسي المتميز موريس بلانشو، وقد أسهمت ثقافته الفرنسية الرفيعة، إلى جانب اعتداده الراسخ بمصريته، في استكشاف أساليب في الكتابة الأدبية فريدة تأخذ في اعتبارها الشروط التاريخية الخاصة وتتجاوزها في آنٍ معًا.

في شبابه المبكر شارك إدوار الخراط في الحركة الوطنية الثورية في الإسكندرية أثناء دراسته الجامعية، فأسس حلقة تروتسكية كان سكرتيرها العام، فاستغرقته الاجتماعات والمناقشات وتنظيم المظاهرات وإصدار البيانات وكتابة المنشورات، وبعد إعلان الأحكام العرفية اعتقل في 15 مايو عام 1948، سنتين، في معتقلات أبو قير والطور، ضمن حملة اعتقالات واسعة شملت جميع النشطاء الشيوعيين والوفديين، وتمثل روايته المثيرة "طريق النسر" معالجة أدبية راقية لهذه التجربة الوطنية والثورية.

وفي عام 68 ساهم إدوار الخراط مع أحمد مرسي وإبراهيم منصور وغالب هلسا وسيد حجاب وجميل عطية إبراهيم في إصدار "جاليري 68" التي كانت نافذة نشر لأدباء الستينيات، ومع ذلك لا يرى إدوار أنه ينتمى إلى هذا الجيل الأدبي، وعلى مدى ثلاث سنوات صدر من المجلة ثمانية أعداد دون انتظام.

من أعمال إدوار الخراط التي سيكتب لها الخلود في الأدب المصري المعاصر خماسية ميخائيل قلدس، وتضم خمس روايات هي: «رامة والتنين»، «الزمن الآخر»، «يقين العطش»، «صخور السماء»، «طريق النسر».

في الروايات الثلاث الأولى يتناول الخراط قصة عشق بين ميخائيل قلدس ورامة ناجي في مرحلة كهولة الراوي ميخائيل، يحكي فيها أزمة الإنسان المعاصر بتعقيداتها حين يحاول الجمع بين المقدس والمدنس، عبر أبنية دلالية شديدة التعقيد تضل دومًا عن بلوغ مقاصدها، مع أنها ذات بصيرة فائقة، لكنها بسبب التعقيدات المجازية الاستعارية والحرفية المذهلة بصيرة ضالة.

ورواية «رامة والتنين»، على وجه الخصوص، هي خير مثال ضمن إبداعات إدوار الخراط المتعددة للحديث عن الرواية التجريبية ذات المختبر الخاص، والبحث الضالع في جماليات اللغة، وقناع الذاتية، بالإضافة إلى اعتماد الكاتب على تكنيك تيار الوعي المتغلغل في نسيج النص من خلال شخصية "رامة" المتغلغلة بدورها هي الأخرى في نفس تكنيك تيار وعي "ميخائيل"، وتداعي خواطره الذاتية، ومونولوجه الداخلى الكاشف عن ذكريات كثيرة حدثت أو وقعت حقيقة أو مجازا.

ويقول سامي خشبة في دراسته "رامة والتنين مأساة مصرية" حول الأهمية الخاصة برواية «رامة والتنين» والهدف من التعبير عنها بهذا الطراز من الكتابة؛ هي أن "إدوار الخراط عندما كتب هذه الرواية، إنما كتبها من منطلق واضح فيها كل الوضوح، حول تجربة الحب الضائع، التي يعيشها مثقف مصري قبطي تكونت ثقافته باعتباره (قبطيا) ينظر إلى الأشياء، وإلى تاريخ مجتمعه ولغته، من منظور فهمه الخاص لتاريخه الذاتي".

أما في الرواية الرابعة «صخور السماء» فيتناول الخراط حياة ميخائيل قلدس منذ الطفولة الأولى حتى مطلع الشباب بكل ما تنطوي عليه هاتان المرحلتان من بذور التكوين الأولى التي أثرت في شخصيته، وعلى رأسها المعتقدات الدينية التي تشربها ميخائيل قلدس في طفولته، وأثر هذه المعتقدات في أخلاقياته وتكوينه الشخصي، وفي تفاعله مع العالم من حوله، لاسيما مع معشوقته الأثيرة رامة ناجي، ويندرج ضمن بذور التكوين الأولى علاقة الحب التي مر بها فى طفولته مع محبوبته الطفلة مارينا. وتأتي أهمية رواية «صخور السماء» من حيث كونها الرواية المفسِّرة للكثير من وجهات نظر ميخائيل قلدس في علاقته المعقدة والأخيرة برامة ناجى، لذا يمكن وصفها بأنها "رواية شارحة" لثلاثية ميخائيل ورامة، ولأدب الخراط في مجمله.

وفي رواية "طريق النسر" يتناول الخراط التجربة الوطنية والثورية التي عاشها في شبابه من خلال شخصية ميخائيل قلدس، وهي ثورية ممزوجة بالحب والرغبة، بمعنى أنها تجربة تحرر بمعناه الواسع.

تعليقات