4 سنوات من عُمر الحرب في أوكرانيا، نجحت خلالها دبلوماسية الإمارات النابضة بالإنسانية في تحقيق إنجازات بارزة أبقت نافذة أمل لإنهاء إحدى أكثر الأزمات الدولية تعقيدا.
وساطات حرّرت آلاف الأسرى، وجولات مباحثات سلام تاريخية جمعت الفرقاء على طاولة واحدة في أبوظبي، ومساعدات إنسانية وصلت إلى 1.2 مليون من المتضررين، وشراكة اقتصادية أعادت الأمل لاقتصاد منهك.
هكذا برزت دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال 4 سنوات من عمر الحرب في أوكرانيا، التي تحل اليوم الثلاثاء ذكراها الرابعة منذ اندلاعها.
فمنذ بدء الأزمة في 24 فبراير/شباط 2022، اتخذت الإمارات موقف الحياد الإيجابي المتوازن، الذي أتاح لها لعب دور فاعل على طريق حل الأزمة. وقد تُوّج ذلك بنجاح جهودها في إبرام 19 وساطة لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، واستضافة جولتين من مباحثات السلام الثلاثية بمشاركة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتوقيع اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع أوكرانيا لدعم اقتصادها، إضافة إلى إطلاق حزمة من المبادرات الإنسانية للتخفيف من تداعيات الأزمة.
ومن بين تلك الوساطات، 10 خلال عام 2024، و7 في عام 2025، وواحدة في عام 2023، إضافة إلى وساطة في مستهل عام 2026، تُعد الأحدث، وجرت في 5 فبراير/شباط الجاري، وتم بموجبها إطلاق 157 أسيرًا من كل جانب.
وأثمرت هذه الوساطات، في مجملها، إطلاق سراح 5085 أسيرًا من كلا الطرفين، وهو رقم كبير يجسد إنجازًا دبلوماسيًا وإنسانيًا بارزًا في أزمة تشهد تصعيدًا متواصلًا بين طرفيها.
وعلى الصعيد الإنساني، قدمت الإمارات، منذ اندلاع الأزمة، برامج مساعدات إنسانية إلى أوكرانيا، تضمنت منازل للأسر الحاضنة، وإمدادات إغاثية، وسيارات إسعاف، ومولدات كهربائية، وخدمات أساسية استفاد منها أكثر من 1.2 مليون شخص، وذلك في إطار دعمها الإنساني واستجابتها العاجلة، بما يسهم في تعزيز جهود التعافي والتنمية طويلة المدى.
وضمن أحدث تلك الجهود، أعلنت الإمارات، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عن حزمة دعم بقيمة 5 ملايين دولار، من خلال مؤسسة أولينا زيلينسكا، لتمويل مراكز الدعم النفسي والاجتماعي، وبرامج المدارس الآمنة، ومبادرات رعاية الأسر الحاضنة.
حراك سياسي ودبلوماسي وإنساني أبقى نافذة أمل لإنهاء تلك الأزمة دبلوماسيًا، ومهّد الأرضية لبدء جهود أمريكية ما زالت متواصلة للدفع نحو حل سياسي للأزمة.

حراك سياسي
منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية قبل أربعة أعوام، تقود دولة الإمارات جهودًا سياسية ودبلوماسية لخفض التصعيد والدفع نحو حل عقلاني وواقعي وسلمي، يستند إلى قواعد القانون الدولي التي تقضي باحترام سيادة الدول.
وقاد هذه الجهود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، حيث أجرى مباحثات عدة بشأن الأزمة مع زعيمي البلدين، سواء خلال الزيارات المتبادلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكان أحدثها زيارته إلى روسيا في 29 يناير/كانون الثاني الماضي، أو مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي أجرى زيارة إلى الإمارات في فبراير/شباط الماضي.
ومرارًا، أكد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان نهج دولة الإمارات الثابت في دعم السلام والاستقرار على الساحتين الإقليمية والدولية، والحلول السياسية للنزاعات والصراعات، بما في ذلك الأزمة الأوكرانية، من خلال خفض التصعيد والحوار والدبلوماسية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي أيضًا، بذل الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، جهودًا بارزة في هذا الصدد، من خلال المباحثات المتواصلة، ومشاركة الوزراء والدبلوماسيين التابعين للوزارة في المحافل الدولية.
وسبق أن أجرى زيارة إلى روسيا في بداية الأزمة، في مارس/آذار 2022، وأكد حينها ضرورة التوصل إلى تسوية وحل سلمي بين روسيا وأوكرانيا، معربًا عن استعداد دولة الإمارات لدعم الجهود الهادفة لإيجاد حل للأزمة، بما في ذلك وقف إطلاق النار.
كما سجلت دولة الإمارات، عبر عضويتها في مجلس الأمن الدولي خلال عامي 2022 و2023، مواقف عدة داعمة للحل السلمي للأزمة الأوكرانية، أكدت فيها أن وقف التصعيد والدبلوماسية والحوار هي السبل الوحيدة لحل الأزمة.
وقد نجحت الإمارات في توظيف نهجها القائم على الحياد الإيجابي دبلوماسيًا وإنسانيًا، ما تُوّج بإبرام 19 وساطة لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، واستضافة جولتين من مباحثات السلام الثلاثية بمشاركة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتفصيلها كالتالي:
حصاد الوساطات
وساطات 2026:
5 فبراير/شباط 2026: إتمام عملية تبادل شملت 314 أسيرًا من الجانبين.
وساطات 2025:
24 أغسطس/آب 2025: إتمام عملية تبادل شملت 292 أسيرًا من الجانبين.
14 أغسطس/آب 2025: إتمام عملية تبادل شملت 168 أسيرًا من الجانبين.
6 مايو/أيار 2025: إنجاز عملية تبادل شملت 410 أسرى من الجانبين.
19 أبريل/نيسان 2025: إنجاز عملية تبادل شملت 538 أسيرًا من الجانبين.
19 مارس/آذار 2025: إنجاز عملية تبادل شملت 350 أسيرًا مناصفة بين الجانبين.
5 فبراير/شباط 2025: إنجاز عملية تبادل شملت 300 أسير مناصفة بين الجانبين.
15 يناير/كانون الثاني 2025: إنجاز عملية تبادل شملت 50 أسيرًا مناصفة بين الجانبين.
وساطات 2024:
30 ديسمبر/كانون الأول 2024: إنجاز عملية تبادل شملت 300 أسير مناصفة بين الجانبين.
18 أكتوبر/تشرين الأول 2024: إنجاز عملية تبادل شملت 190 أسيرًا مناصفة بين الجانبين.
14 سبتمبر/أيلول 2024: إنجاز عملية تبادل شملت 206 أسرى مناصفة بين الجانبين.
24 أغسطس/آب 2024: استعادة روسيا 115 من جنودها الأسرى، مقابل استعادة أوكرانيا عددًا مماثلًا من الأسرى.
17 يوليو/تموز 2024: استعادة روسيا 95 من جنودها الأسرى، مقابل استعادة أوكرانيا عددًا مماثلًا من الأسرى.
25 يونيو/حزيران 2024: صفقة تبادل أسرى شملت 180 أسيرًا من الجانبين.
31 مايو/أيار 2024: استعادة روسيا 75 من جنودها الأسرى، مقابل استعادة أوكرانيا عددًا مماثلًا من الأسرى.
8 فبراير/شباط 2024: استعادة روسيا 100 من جنودها الأسرى، مقابل استعادة أوكرانيا عددًا مماثلًا من الأسرى.
31 يناير/كانون الثاني 2024: عودة 195 جنديًا إلى روسيا، مقابل استعادة أوكرانيا عددًا مماثلًا من أسراها.
3 يناير/كانون الثاني 2024: وساطة عاد بموجبها 248 جنديًا إلى روسيا، مقابل استعادة أوكرانيا أكثر من 200 أسير.
وساطات 2023:
4 فبراير/شباط 2023: وساطة عاد بموجبها 63 أسير حرب «من الفئة الحساسة» إلى روسيا، مقابل استعادة أوكرانيا 116 أسيرًا.

محادثات السلام.. جولتان
استضافت الإمارات جولتين من المحادثات الروسية–الأوكرانية–الأمريكية؛ الأولى يومي 23 و24 يناير/كانون الثاني الماضي، والثانية يومي 4 و5 فبراير/شباط الجاري. وقد مهّدتا لعقد جولة محادثات في جنيف يومي 17 و18 فبراير/شباط الجاري، أعقبها تنفيذ عملية تبادل أسرى بين روسيا وأوكرانيا شملت 314 أسيرًا من الجانبين، وهي الأولى في عام 2026، والأولى منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وعقب محادثات جنيف، أعلن المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف، أن الأسابيع المقبلة قد تحمل «أخبارًا سارة» بشأن عملية السلام في أوكرانيا، مشيرًا إلى احتمال عقد محادثات خلال ثلاثة أسابيع تمهيدًا لقمة بين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، وربما لقاء ثلاثي لاحق يضم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتتواصل الجهود الإماراتية بالتعاون مع الولايات المتحدة سعيًا لإنهاء أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وباستضافتها هذه المحادثات، تؤكد دولة الإمارات مجددًا أنها لم تكن مجرد وسيط محايد، بل صانعة فرص للسلام، بما يثبت أن الدبلوماسية النابضة بالإنسانية قادرة على اختراق جدران الحرب.
وكانت دولة الإمارات قد استضافت الجولة الأولى من المحادثات يومي 23 و24 يناير/كانون الثاني الماضي، حيث التقى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، رؤساء الوفود المشاركة في المحادثات الثلاثية.
ووجّه خلال اللقاء عددًا من الرسائل المهمة، أبرزها:
التأكيد على نهج دولة الإمارات الثابت القائم على تشجيع الحوار البنّاء.
دعم دولة الإمارات كل ما من شأنه تعزيز الحلول الدبلوماسية لمختلف الأزمات والنزاعات.
دعم دولة الإمارات جميع المساعي والمبادرات الهادفة إلى إيجاد تسوية للأزمة الأوكرانية بما يخدم مصالح جميع الأطراف ويعزز أسباب السلام والاستقرار في العالم.
ووصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، المحادثات حول أوكرانيا التي عُقدت في أبوظبي بأنها «تاريخية».
كما استضافت الإمارات الجولة الثانية من المباحثات الثلاثية يومي 4 و5 فبراير/شباط الجاري. وأكد الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في أعقابها، أن جولتي المحادثات اللتين عُقدتا في أبوظبي أسفرتا عن مناقشات مثمرة وبنّاءة عكست وجود أرضية مشتركة يمكن البناء عليها، مؤكدًا حرص دولة الإمارات على توفير بيئة حوار داعمة تسهم في تقريب وجهات النظر ودعم الحلول السلمية.
وشدد على أن دولة الإمارات تواصل، انطلاقًا من شراكاتها الوثيقة وعلاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف، دعم كافة الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة، انطلاقًا من إيمانها الراسخ بأن التعاون والتضامن في أوقات الشدة مسؤولية إنسانية وأخلاقية لا تقبل التأجيل، وبما يسهم في تخفيف التداعيات الإنسانية وتعزيز فرص السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم.
وبيّن أن استضافة دولة الإمارات لهذه الجولة تمثل خطوة جوهرية تُجسّد الثقة الدولية بالدور الذي تضطلع به الدولة في دعم مسارات الحوار وتعزيز الحلول الدبلوماسية للأزمات، لا سيما في هذا الملف الذي يتفق المجتمع الدولي على ضرورة التوصل إلى تسوية شاملة ومستدامة له.

دعم اقتصادي وإنساني
نجحت الإمارات، عبر نهجها القائم على الحياد الإيجابي خلال الأزمة، في توظيف هذا الموقف لدعم التعاون الاقتصادي مع أوكرانيا، ما تُوّج بتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين خلال زيارة الرئيس الأوكراني إلى الإمارات في فبراير/شباط الماضي.
وشهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس فولوديمير زيلينسكي توقيع «اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة» التي تهدف إلى فتح آفاق جديدة للتعاون والتبادل التجاري والاستثماري بين البلدين.
ومن المتوقع أن تضيف الاتفاقية 369 مليون دولار إلى إجمالي الناتج المحلي لدولة الإمارات، و874 مليون دولار إلى إجمالي الناتج المحلي لأوكرانيا بحلول عام 2031، وفق ما ذكرته وكالة أنباء الإمارات «وام».
كما تسهم الاتفاقية في تسريع الانتعاش الاقتصادي لأوكرانيا، وتوفير فرص جديدة للتعاون في مجالات عدة، مثل البنية التحتية، والصناعات الثقيلة، والطيران والفضاء، وتكنولوجيا المعلومات.
الدعم الإنساني
وبالتوازي مع جهودها الدبلوماسية والسياسية المتواصلة لحل الأزمة الأوكرانية، واصلت دولة الإمارات تحركاتها الإنسانية الفاعلة.
ومن أحدث تلك الجهود:
إعلان الإمارات التزامها بدعم جهود إعادة الإعمار في أوكرانيا خلال مشاركتها في مؤتمر إعادة إعمار أوكرانيا في العاصمة الإيطالية روما في يوليو/تموز.
إبرام إعلان ثلاثي الأطراف بين الإمارات وإيطاليا وأوكرانيا لتعزيز القدرات المؤسسية لأوكرانيا ودعم المشاريع الصغيرة التي تقودها النساء في يوليو/تموز.
توقيع الإمارات وإيطاليا إعلانًا لتعزيز الدعم المقدم للأطفال والمراهقين والشباب في أوكرانيا في يوليو/تموز.
إطلاق مبادرة مشتركة بين الإمارات وإستونيا لدعم تعافي أوكرانيا عبر التعليم والمهارات الرقمية وريادة الأعمال في سبتمبر/أيلول.
الإعلان عن حزمة دعم جديدة بقيمة 5 ملايين دولار لتمويل مراكز الدعم النفسي والاجتماعي، وبرامج المدارس الآمنة، ومبادرات رعاية الأسر الحاضنة في أكتوبر/تشرين الأول.
وسبق أن بذلت الإمارات جهودًا حثيثة للتخفيف من حدة الأوضاع الإنسانية في أوكرانيا، إذ قدّمت منذ بداية الأزمة أكثر من 105 ملايين دولار أمريكي لدعم الجهود الإنسانية، ووقّعت اتفاقيات تعاون مع مؤسسة أولينا زيلينسكا لتوفير مراكز إضافية للأسر الحاضنة ودور الأيتام المتضررة من النزاع، وأرسلت طائرات إغاثة حملت أكثر من 1015 طنًا من المساعدات الطبية والغذائية والإغاثية.
كما قدّمت دولة الإمارات 50 سيارة إسعاف، وأكثر من 4500 مولد كهربائي، وسفينتين محمّلتين بمساعدات إغاثية، استفاد منها أكثر من 1.2 مليون شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وذلك في إطار دعمها الإنساني واستجابتها العاجلة، بما يسهم في تعزيز جهود التعافي والتنمية طويلة المدى.

امتنان وتقدير
قوبلت الجهود الدبلوماسية والإنسانية لدولة الإمارات بتقدير وإشادة دولية، ولا سيما من طرفي الأزمة، إذ وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي الشكر إلى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، أكثر من مرة على مدار السنوات الأربع، تقديرًا لوساطات وجهود بلاده في حل الأزمة.
وخلال أحدث لقاء جمعهما، أعرب بوتين، في لقائه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في روسيا بتاريخ 29 يناير/كانون الثاني الماضي، عن شكره وتقديره لاستضافة دولة الإمارات المحادثات الثلاثية، كما شكره على مواصلة جهود الوساطة التي تسفر عن نجاح عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا.
من جانبه، وجّه الرئيس الأوكراني الشكر لدولة الإمارات وقيادتها أكثر من مرة، كما منح ريم بنت إبراهيم الهاشمي، وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي، وسام الأميرة أولغا من الدرجة الأولى، وهو أحد أرفع الأوسمة المدنية في أوكرانيا، تقديرًا لإسهامات دولة الإمارات في دعم الشعب الأوكراني وتعاونها الإنساني البنّاء.
وتتوالى هذه النجاحات لترسخ مكانة دولة الإمارات لاعبًا أساسيًا وشريكًا مهمًا في إنجاح مبادرات السلام على المستويين الإقليمي والدولي، انطلاقًا من رسالتها الحضارية وإرثها التاريخي الراسخ القائم على التعاون والعمل الإنساني ونشر قيم التسامح والأخوة.