«ترند الموت».. كيف قتلت «السوشيال ميديا» عبدالرحمن أبو زهرة قبل وفاته؟
شائعات الوفاة المتكررة طاردت الفنان عبدالرحمن أبو زهرة لسنوات، وسط معاناة نفسية وصحية دفعت أسرته لمحاولة إبعاده عن منصات التواصل.
لم تكن علاقة الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة بمنصات التواصل الاجتماعي علاقة ودية على الإطلاق، بل كانت ساحة حرب نفسية خسر فيها الكثير من سلامة جسده وهدوء روحه.
بينما كان العالم يحتفي بعبقريته، كان هناك جانب مظلم على "فيسبوك" و"تويتر" يتلذذ بنشر أخبار كاذبة حول تدهور حالته أو وفاته. هذه المنصات التي يفترض أن تقرب المسافات، تحولت في حياة أبو زهرة إلى "مقصلة" إلكترونية تسببت في تدهور حالته الصحية والنفسية بشكل متسارع، حيث وجد نفسه مضطراً للدفاع عن كونه "على قيد الحياة" بدلاً من الاستمتاع بما تبقى من عمره في هدوء.
"قتلوه 10 مرات"
من أغرب وأقسى ما واجهه عبد الرحمن أبو زهرة هو عدد المرات التي أعلن فيها رواد التواصل الاجتماعي وفاته "رسمياً". لم يمر شهر واحد في سنواته الأخيرة دون أن يتصدر وسم (هاشتاج) يحمل نعياً كاذباً له.
في كل مرة، كان الخبر ينتشر كالنار في الهشيم، لتبدأ هواتف أبنائه وأحفاده في الرنين المتواصل، مما خلق حالة من الرعب الدائم داخل أسرته. هذه "الوفيات الافتراضية" المتكررة لم تكن مجرد أخبار كاذبة، بل كانت طعنات معنوية جعلته يشعر بأن المجتمع يستعجل رحيله، مما زاد من حدة اكتئابه وشعوره بالغربة عن واقع لا يحترم حرمة المرض أو كبر السن.
"أنا لسه عايش.. ارحموني"
لم يقف الفنان القدير مكتوف الأيدي أمام هذه الهجمات، بل خرج في عدة مناسبات بتصريحات اتسمت بالمرارة والغضب الشديد. في أحد مداخلاته الهاتفية الشهيرة، تساءل بحدة: "لماذا تستعجلون موتي؟ وما الفائدة التي تعود عليكم من ترويع أهلي؟".
رد فعله الغاضب لم يكن نابعاً من خوفه من الموت، فهو الذي تمنى اللحاق بزوجته، بل كان نابعاً من اشمئزازه من "انعدام الإنسانية" لدى باحثي المشاهدات (التريند). كان يرى أن السوشيال ميديا جردت البشر من مشاعرهم وحولت حياة الرموز الفنية إلى مادة رخيصة لجلب "اللايكات"، وهو ما كان يثير حفيظته ويزيد من توتره العصبي.

عندما تتحول الشائعة إلى مرض عضوي
أثبتت الدراسات الطبية أن التوتر النفسي الناتج عن الضغوط الاجتماعية يؤثر بشكل مباشر على الجهاز المناعي، خاصة لدى كبار السن. بالنسبة لعبد الرحمن أبو زهرة، كانت كل شائعة وفاة تتبعها وعكة صحية حقيقية.
الضغط العصبي الناتج عن تكذيب الشائعات، ورؤية الحزن في عيون أحفاده بسبب ما يقرأونه، أدى إلى اضطرابات في ضربات القلب وارتفاع مفاجئ في ضغط الدم. السوشيال ميديا لم تكتفِ بقتله معنوياً، بل ساهمت بشكل "فيزيائي" في إنهاك جسده النحيل، مما جعل رحلاته إلى المستشفى تتكرر عقب كل موجة من الشائعات العنيفة التي كانت تستهدفه.
تجارة المشاعر في سوق الـ "لايكات"
التركيز على حياة أبو زهرة لم يكن من باب الحب دائماً، بل كان انعكاساً لظاهرة "تريند الموت" البشعة. رواد التواصل الاجتماعي وجدوا في اسم "عبد الرحمن أبو زهرة" مادة دسمة للتفاعل، فاستغلوا حالته النفسية بعد وفاة زوجته واعتزاله المؤقت ليصيغوا سيناريوهات وهمية.
هذه التجارة الرخيصة بمشاعر فنان قدير كانت تجعل أبو زهرة يشعر بالقيء النفسي؛ فقد كان يتساءل كيف تحول تاريخه الفني الطويل إلى مجرد "خبر عاجل" كاذب يتبادله الملايين دون تثبت. هذا الاسترخاص للقيمة الإنسانية كان أحد أكبر العوامل التي دفعته للزهد في الظهور الإعلامي تماماً.
كيف عززت الشائعات "الاكتئاب الحاد"؟
كان أبو زهرة يعاني من اكتئاب حاد إثر فقدان زوجته، وجاءت السوشيال ميديا لتصب الزيت على النار. الاكتئاب يجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه الكلمات السلبية، وعندما يقرأ الإنسان نعي نفسه وهو لا يزال يتنفس، يترسخ لديه شعور بأن وجوده أصبح عبئاً على الآخرين.
الشائعات جعلته يشعر بأنه "رجل من الماضي" ينتظر الجميع رحيله ليغلقوا صفحته، مما أضعف إرادته في المقاومة والتعافي. لقد خلقت له هذه المنصات عالماً موازياً مليئاً بالبؤس، فضل بسببه الانطواء التام، معتبراً أن جدران منزله أرحم بكثير من "نهش" المتابعين لخصوصيته.

محاولات يائسة لفرض "حظر إلكتروني"
أمام هذا الهجوم الكاسح، حاولت أسرة عبد الرحمن أبو زهرة، وخاصة ابنه "أحمد"، فرض نوع من الحظر على دخوله إلى منصات التواصل الاجتماعي. حاولوا إخفاء الهواتف عنه ومنعه من قراءة التعليقات، لكن في عصرنا الحالي، كان الخبر يصله عبر مكالمة من صديق أو قريب يطمئن عليه وهو "مفزوع".
العائلة عاشت في حالة استنفار دائم لتكذيب الشائعات، مما حول حياتهم إلى مكتب علاقات عامة لإثبات أن والدهم لا يزال حياً. هذا المجهود المضني زاد من الأعباء النفسية على الأسرة، وجعلهم يشعرون بالعداء تجاه "التكنولوجيا" التي لا تحترم خصوصية الحزن أو قدسية المرض.
صدمة أبو زهرة في الجمهور الافتراضي
كان أبو زهرة يندهش من التناقض الصارخ على السوشيال ميديا؛ فنفس الأشخاص الذين ينشرون خبر وفاته الكاذب بصيغ الحزن والتباكي، هم من يتجاهلون أعماله أو ينتقدون حالته الصحية بوقاحة في مواقف أخرى. هذا "النفاق الرقمي" أصاب الفنان بصدمة في طبيعة الجمهور الجديد.
كان يقارن بين جمهور المسرح الذي كان يلمس حبه في تصفيق حقيقي، وبين جمهور الشاشات الزجاجية الذي يبحث عن الفضيحة أو الجنازة. هذا الخذلان جعله يتخذ قراراً ذهنياً بقطع الصلة مع هذا العالم الافتراضي، معتبراً إياه "غابة" لا يحكمها قانون الأخلاق.
الساعات الأخيرة
حتى في الساعات التي سبقت وفاته الحقيقية، كانت الشائعات لا تزال تطارده، مما جعل الخبر الحقيقي عندما وقع يصعب تصديقه في البداية من كثرة "الكذب" السابق. إن قصة صراع عبد الرحمن أبو زهرة ضد السوشيال ميديا تظل درساً قاسياً حول مخاطر الكلمة وتأثيرها القاتل.
لقد رحل الرجل، لكن بقيت سجلات "فيسبوك" شاهدة على كمية الأذى الذي تعرض له. إن وفاته الحقيقية كانت بمثابة راحة من "ميتات" كثيرة عاشها يومياً بسبب منشورات طائشة من أشخاص لا يدركون أن خلف الشاشة قلباً ينبض وإنساناً يتألم.
انتصار الهدوء على صخب "الترند"
في النهاية، رحل عبد الرحمن أبو زهرة إلى عالم لا يوجد فيه "ترند" ولا شائعات كاذبة. انتصر هدوء القبر على صخب السوشيال ميديا الذي طالما أزعجه. لقد ترك لنا إرثاً من الفن النظيف ودرساً في ضرورة التحلي بالمسؤولية عند استخدام منصات التواصل.
قد تكون الشائعات قد نهشت في جسده ونفسيته، لكنها أبداً لم تستطع النيل من تاريخه المحفور في ذاكرة السينما والمسرح العربي. رحل "سفير السعادة" وترك خلفه رسالة تحذير: "ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء"، لعل رواد الفضاء الأزرق يدركون يوماً أن خلف كل "بوست" روحاً قد تقتلها الكلمة قبل أن يقتلها المرض.