أبوظبي عاصمة الطاقة النظيفة.. كيف رسخت الإمارات مكانتها عالميا؟
تمكنت أبوظبي خلال السنوات الماضية من احتلال مكانة رفيعة كواحدة من أهم العواصم الدولية التي تقود التحول نحو الطاقة النظيفة.
وأدركت دولة الإمارات العربية المتحدة مبكرا ضرورة أن تكون حاضرة، وبقوة، في السباق العالمي المتسارع نحو بناء اقتصاد منخفض الكربون، وخفض الانبعاثات لمواجهة التغيرات المناخية، ومواكبة التحولات العميقة التي يشهدها كوكب الأرض.
ولم تقف أبوظبي في مقاعد المتفرجين، بل تحركت بخطى ثابتة وواضحة، وخطط ملهمة في مسار تحولها نحو الطاقة الخضراء، وقدمت رؤية استراتيجية تستشرف من خلالها مستقبل الطاقة المتجددة، ورصدت استثمارات ضخمة مكنتها من تسريع التحول الطاقي، مدعومة بمنظومة متكاملة تجمع بين السياسات المحفزة، والابتكار، والتمويل، إلى جانب الشراكات الدولية.
ولم تقتصر تحركات دولة الإمارات في ملف الطاقة المتجددة على المستوى المحلي فقط، بل تجاوزته لتحدث أثرا عالميا واضحا، عبر التوسع في عدد من قارات العالم، من خلال مشاريع ضخمة قادتها شركات وطنية في أوروبا وأفريقيا وآسيا. وهنا كانت القمة العالمية لطاقة المستقبل حاضرة لتساند هذا الدور المحوري، من خلال صياغة حوار عالمي حول مستقبل الطاقة في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
أرقام تاريخية
وتؤكد الأرقام الرسمية أن دولة الإمارات تسبق العديد من الدول في مسيرتها نحو التحول الطاقي، وهو ما وثقه تقرير حالة الطاقة في دولة الإمارات 2025، الذي يرصد الصورة الحقيقية للتحول الطاقي في الإمارات، حيث تجاوزت القدرة الإنتاجية للطاقة النظيفة 12.4 غيغاواط، منها 6.8 غيغاواط من مصادر الطاقة المتجددة، و5.6 غيغاواط من الطاقة النووية السلمية.
وأكد التقرير أن مستهدفات القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة تصل إلى 22 غيغاواط بحلول عام 2031، بما يمثل أكثر من 35% من مزيج الطاقة في دولة الإمارات.
ويجمع خبراء دوليون في قطاع الطاقة على أن الاستثمار في الطاقة النظيفة في الإمارات لم يعد خيارا تنمويا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية تضمن استدامة النمو الاقتصادي، وتجعل من الدولة شريكا أساسيا في صياغة مستقبل الطاقة المستدامة على مستوى العالم.
وتتطلع دولة الإمارات إلى جذب المزيد من الاستثمارات الجديدة في قطاع الطاقة المتجددة، بما يتماشى مع المتغيرات العالمية التي يشهدها القطاع، وفي ظل الزيادة المستمرة في الطلب العالمي على مزيج الطاقة. وقد حققت الإمارات بنهاية عام 2024 نحو 90% من خطتها الاستثمارية في مجال الطاقة المتجددة، والبالغة 200 مليار درهم بحلول عام 2030.
مبادرات ومشاريع نوعية
وخلال عام 2025، أطلقت دولة الإمارات سلسلة واسعة من المبادرات والمشاريع النوعية في مجالات حماية البيئة، والانتقال إلى الطاقة النظيفة، والابتكار في التقنيات الخضراء، بما يعزز مكانتها العالمية كإحدى أكثر الدول التزاماً بمواجهة التحديات المناخية وقيادة التحول نحو حلول تدعم الاستدامة البيئية.
وتجسد هذه المبادرات رؤية الإمارات الهادفة إلى ترسيخ اقتصاد منخفض الكربون، وقيادة الجهود الدولية للتحول إلى الطاقة النظيفة، وتوسيع نطاق حماية البيئة والتنوع البيولوجي، وتحفيز الابتكار في مجالات الاستدامة.
كما تتطلع الإمارات إلى الاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة استخدام الطاقة، وتقليل الاستهلاك في المباني الحكومية، حيث أطلقت مشاريع تستهدف خفض الاستهلاك بنسبة تصل إلى 30% من الماء والكهرباء.
خطط طموحة
وتمتلك دولة الإمارات خطة طموحة لإمداد مراكز البيانات الكبرى بالطاقة الكهربائية المتجددة، مع العمل على تحقيق توازن مهني ومستدام في الطلب على الطاقة، بما يعزز مكانة الدولة منصة عالمية جاذبة لمراكز البيانات الضخمة التي تتطلب طاقة متجددة وبأسعار تنافسية. ويأتي من بين هذه المشاريع، مشروع تحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء على مدار الساعة لتغذية أكبر مركز للبيانات الضخمة في المنطقة، ليضاف إلى إسهامات الإمارات المتنامية في قطاع الطاقة النظيفة.
ويتميز نهج دولة الإمارات برؤيته بعيدة المدى، فمن خلال دمج التقنيات الذكية وتعزيز التعاون بين مختلف القطاعات، تبني الدولة مستقبلاً تكون فيه الطاقة أكثر كفاءة، وأسهل وصولا، وأكثر شمولية.
واستهلت الإمارات عام 2025 بإطلاق أكبر وأول مشروع من نوعه على مستوى العالم، يجمع بين الطاقة الشمسية وبطاريات تخزين الطاقة في أبوظبي، ويوفر الطاقة المتجددة على مدار الساعة، ويسهم في توفير نحو 1 غيغاواط يوميا من الحمل الأساسي للطاقة المتجددة، ليشكل أكبر محطة للطاقة الشمسية المزوّدة بنظم بطاريات لتخزين الطاقة في العالم.
وفي مجال الاقتصاد الدائري، أعلنت شركة «بيئة» تطوير أول محطة في الشرق الأوسط لتحويل النفايات إلى هيدروجين أخضر بطاقة إنتاجية تصل إلى 7 أطنان يوميا بحلول عام 2027، فيما أطلقت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة مشروعاً وطنياً لإعادة تدوير الإطارات المستعملة وتحويلها إلى مواد تدخل في صناعات جديدة.
النقل الأخضر
وفي قطاع النقل المستدام، واصلت الإمارات تطوير بنيتها التحتية للنقل الأخضر، حيث أكدت وزارة الطاقة والبنية التحتية تركيب 500 محطة شحن للمركبات الكهربائية بنهاية عام 2025. كما أطلقت «دي بي ورلد» أول أسطول من المركبات الكهربائية في ميناء جبل علي، لنقل أكثر من 204 آلاف حاوية سنوياً، بما يسهم في خفض أكثر من 14,600 طن من الانبعاثات. كذلك أعلنت شركة الاتحاد للقطارات استكمال مشروع تزويد محطة الغويفات بالطاقة الشمسية بنهاية 2025.
وانطلقت الشركات الوطنية الإماراتية من أبوظبي إلى العديد من دول العالم لقيادة تحول الطاقة والمساهمة في خفض الانبعاثات الكربونية، وفي مقدمتها شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر»، التي تمتلك محفظة مشاريع طاقة متجددة تتجاوز 50 غيغاواط في 40 دولة، تشمل طاقة الرياح والطاقة الشمسية ومشاريع الهيدروجين الأخضر وأنظمة التخزين.
توسع عالمي
وواصلت الإمارات توسعها العالمي في مشاريع الطاقة الشمسية عبر تنفيذ مشاريع في ألبانيا وإيطاليا وإسبانيا بقدرة 446 ميغاواط، إلى جانب مشاريع عائمة في إندونيسيا، ومشروع «الصداوي» في السعودية بقدرة 2 غيغاواط، إضافة إلى مشاريع في مدغشقر واليمن ومصر وتشاد، ومحطة للطاقة الشمسية في جزر القمر بتمويل من صندوق أبوظبي للتنمية.
وخلال 2025، جرى توقيع اتفاقية بين «مصدر» وشركة «أو إم في» لإنشاء محطة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بقدرة 140 ميغاواط في النمسا، لتعد من أكبر المبادرات الأوروبية في هذا المجال. وفي السعودية، فازت «مصدر» بتطوير محطتين جديدتين للطاقة الشمسية في نجران وجازان بقدرة إجمالية تبلغ 2 غيغاواط.
كما أعلنت شركة مبادلة للاستثمار «مبادلة» استثمار 300 مليون يورو عبر شراكة مع شركة «أكتيس»، المستثمر العالمي الرائد في البنية التحتية المستدامة في الأسواق الناشئة، للاستثمار في شركة «ريزولف إنرجي»، المنصة المستقلة وسريعة النمو في قطاع الطاقة المتجددة في وسط وشرق أوروبا.
الطاقة النووية السلمية
ولم تغفل دولة الإمارات دور الطاقة النووية السلمية، حيث تحتل محطات براكة مكانة محورية، وبعد مرور عام كامل على التشغيل الكامل للمحطات، باتت توفر 25% من احتياجات الإمارات من الكهرباء، وتسهم في خفض 22.4 مليون طن من الانبعاثات سنويا.
وخلال 12 شهرا، أنتجت المحطات 40 تيراواط ساعة من الكهرباء النظيفة، فيما تجاوز إجمالي الإنتاج منذ تشغيل المحطة الأولى 120 تيراواط ساعة، وهو ما يعادل الطلب السنوي على الكهرباء في مدينة كبرى.
كما أسهمت محطات براكة منذ بدء التشغيل في خفض ما يصل إلى 58 مليون طن من الانبعاثات الكربونية، بما يعادل إزالة نحو 12 مليون سيارة من الطرق.
وخصصت دولة الإمارات 10 ملايين دولار لإطلاق برنامج يعزز قدرة المجتمعات في آسيا والمحيط الهادئ على التكيف مع الكوارث الطبيعية، ودعم البنية التحتية المناخية. وفي عام 2024، تسارعت وتيرة تنفيذ استراتيجية الإمارات للتحول نحو الطاقة المتجددة، بعد إنجاز نحو 90% من خطتها الاستثمارية البالغة 200 مليار درهم بحلول عام 2030.
قيادة عصر جديد
وتمتلك الإمارات مقومات أساسية تؤهلها لقيادة عصر جديد يجمع بين الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، بفضل مشاريع رائدة مثل محطات براكة للطاقة النووية، ومجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية المزود بقدرات تخزين، إلى جانب شركات مثل «G42»، والعديد من الشركات العالمية الكبرى في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وبلغ إجمالي القدرة الإنتاجية لمجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية نحو 3860 ميغاواط من الطاقة النظيفة، بعد إضافة 800 ميغاواط جديدة، مع الاستفادة من تقنيتي الألواح الكهروضوئية والطاقة الشمسية المركزة، ما يعكس تسارع وتيرة تنفيذ مراحل المشروع المتقدمة. وتشكل هذه القدرة نحو 21.5% من إجمالي الطاقة الإنتاجية لهيئة كهرباء ومياه دبي «ديوا».
ومن المتوقع أن يتجاوز إجمالي إنتاج المجمع 7260 ميغاواط بحلول عام 2030، مقارنة بالتخطيط السابق البالغ 5000 ميغاواط.
استثمارات وطنية
وتهدف استراتيجية الإمارات للطاقة 2050 إلى مضاعفة مساهمة الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030، وضخ استثمارات وطنية تتراوح بين 150 و200 مليار درهم خلال الفترة نفسها، لضمان تلبية الطلب المتزايد على الطاقة في ظل النمو الاقتصادي المتسارع.
وتتجسد هذه الرؤية الطموحة في محفظة من المشاريع العملاقة، أبرزها محطة «نور أبوظبي»، التي تعد من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، ومجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، أكبر مشروع للطاقة الشمسية في موقع واحد عالمياً، إلى جانب «مدينة مصدر» التي صُممت لتكون واحدة من أكثر المدن استدامة في العالم.
ولم تقتصر استثمارات الإمارات على توليد الطاقة، بل امتدت إلى تطوير قطاع النقل المستدام، ودعم حلول النقل الجماعي النظيفة، وتشجيع انتشار المركبات الكهربائية، ويعد مترو دبي نموذجاً بارزاً لمشاريع النقل العام التي تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية وتقليل الازدحام المروري.
التمويل الأخضر
ولم يكن هذا التوسع ليتحقق دون منظومة تمويل متطورة، حيث برز التمويل الأخضر كأحد أهم أدوات تمكين التحول الطاقي في أبوظبي. وجرى خلال الأعوام الأخيرة تخصيص أكثر من 6.19 مليار درهم من عائدات السندات الخضراء لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، ونظم تخزين الطاقة، في الإمارات وعدد من دول العالم.
كما أُصدرت سندات خضراء جديدة بقيمة تقارب 3.7 مليار درهم، ما رفع إجمالي السندات الخضراء المصدرة إلى أكثر من 10 مليارات درهم، في خطوة تعزز مكانة أبوظبي مركزاً إقليمياً وعالمياً للتمويل المستدام.
وترافقت هذه الجهود مع شراكات بين مؤسسات التمويل الوطنية وشركات الطاقة النظيفة لتوفير حلول تمويلية مرنة تدعم رواد الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة، وتساعدها على خفض تكاليف التشغيل، ورفع الكفاءة، وتحقيق أهداف الاستدامة.
وركزت أبوظبي على تطوير حاضنات الابتكار في مجالات الطاقة المتجددة والاستدامة، مع توفير التمويل والبنية التحتية والتسهيلات الحكومية، وشملت هذه الجهود مشاريع الطاقة الشمسية الموزعة، والبطاريات، والحلول الهجينة، إضافة إلى تشجيع الصناعات المرتبطة بالاقتصاد الدائري، مثل تحويل النفايات إلى طاقة وإنتاج الهيدروجين الأخضر.
كما استثمرت أبوظبي في إنتاج الخلايا والألواح الشمسية باستثمارات تجاوزت 220 مليون دولار، ما يسهم في توطين الصناعة، وخلق فرص عمل، وتعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.
قمة عالمية في أبوظبي
وفي قلب هذا الحراك، تبرز القمة العالمية لطاقة المستقبل، التي تستضيفها أبوظبي ضمن فعاليات أسبوع أبوظبي للاستدامة، بوصفها منصة دولية لصياغة مستقبل الطاقة.
وخلال نسخة 2025، تستقطب القمة أكثر من 30 ألف مشارك، و13 من قادة الدول، وأكثر من 140 وزيراً ومسؤولاً حكومياً، إلى جانب مئات الشركات والجهات العارضة.
وتناقش القمة، التي قُدّرت الفرص الاقتصادية المرتبطة بموضوعاتها بأكثر من 10 تريليونات دولار، قضايا محورية تشمل الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والتمويل المستدام، والمدن الذكية، والاقتصاد الدائري.
وتشكل القمة نافذة رئيسية لرواد الأعمال والمبتكرين لعرض حلولهم، وبوابة لدخول السوق الإماراتية وأسواق المنطقة، في ظل ما توفره الدولة من بيئة تشريعية مرنة، وبنية تحتية متقدمة، وفرص شراكة واسعة.
وتظهر تجربة أبوظبي أن التحول إلى الطاقة النظيفة ليس مسارا بيئيا فحسب، بل خيارا اقتصاديا يعزز النمو، ويجذب الاستثمارات، ويدعم الابتكار.
ومن خلال مزيج متوازن من الطاقة الشمسية، والنووية، والرياح، والهيدروجين الأخضر، إلى جانب التمويل المستدام والتكنولوجيا المتقدمة، استطاعت أبوظبي أن ترسخ موقعها لاعبا رئيسيا في رسم مستقبل الطاقة عالميا.
وبين مشاريع عملاقة، وأرقام قياسية، ومنصات حوار دولي، تواصل دولة الإمارات تقديم نموذج عملي لكيفية بناء اقتصاد تنافسي ومستدام، يؤكد أن الطاقة النظيفة لم تعد خيار المستقبل فقط، بل ركيزة الحاضر أيضاً.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNDMg جزيرة ام اند امز