الذكاء الاصطناعي و«4IR».. تحول خطوط الإنتاج في الإمارات
في مسار عصري متسارع، أصبحت دولة الإمارات نموذجاً رائداً وملهماً في التحولات الجذرية التي أفرزتها الثورة الصناعية الرابعة «4IR».
مسار يُعرف بـ«ثورة الذكاء الاصطناعي» التي يطول أثرها مختلف أوجه الحياة؛ حيث يشهد هذا المجال نمواً قوياً يجعله يمثل مكوناً رئيسياً لا غنى عنه في عدد متزايد من القطاعات الحيوية، كالأمن والبيئة والاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة والتجارة وأسواق العمل وغيرها، كما أنه مجال يشهد تنافساً دولياً محتدماً مع تزايد إدراك أهميته في تحديد مكانة الدول ومواقعها على خريطة القوى الدولية.
وفقاً لتقريرPS Market Research المتخصصة في دراسات الأسواق المستقبلية؛ من المتوقع أن يصل حجم سوق الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات إلى نحو 16.882 مليار درهم (4.6 مليار دولار) خلال 2026، مقارنة بنحو 4.3 مليار دولار 2025، بمعدل نمو سنوي مركّب بنحو 7.4%.
فيما أفاد تقرير لـ"ترندز ريسيرش آند أدفايزوري" إلى أن ثقة المستثمرين تزداد، بفضل التوقعات التي تشير إلى نمو حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الإمارات من 3.47 مليار دولار في عام 2024، إلى 46.33 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 44%.
تشير هذه التقديرات إلى توسّع قوي في الطلب على حلول الذكاء الاصطناعي عبر الجهات الحكومية والقطاع الخاص، مع تزايد الاستثمارات التقنية وتطبيقاتها في قطاعات حيوية تشمل المالية والرعاية الصحية والطاقة والخدمات اللوجستية، فضلاً عن تعزيز البنية التحتية الرقمية.
استراتيجية الإمارات للثورة الصناعية الرابعة
يكثر الحديث عن الثورة الصناعية الرابعة، أو4IR التي، بأبسط تعريفاتها، تشير إلى استمرار رقمنة التصنيع التقليدي والممارسات الصناعية، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والروبوتات وغيرها من جوانب التكنولوجيا الحديثة.
وكان مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ورئيس مجلس الإدارة التنفيذي كلاوس شواب، قد قدم مصطلح الثورة الصناعية الرابعة لأول مرة عام 2015، مع فريق من العلماء الذين وضعوا استراتيجية فائقة التكنولوجيا للحكومة الألمانية آنذاك.
أسهل طريقة لفهم الثورة الصناعية الرابعة هي التركيز على التقنيات التي تقودها، وتشمل الذكاء الاصطناعي الذي يهدف إلى جعل الأجهزة والحواسيب تفكر وتحلل مثل العقل الإنساني، والبلوك تشين التي تضمن طريقة آمنة، لا مركزية وشفافة لتسجيل وتبادل البيانات، والواقع الافتراضي أو VR، الذي يقدم تجارب رقمية باستخدام سماعة أو نظارة تحاكي العالم الحقيقي، والواقع المعزز AR، الذي يدمج العالمين الرقمي والمادي.
وتعدّ دولة الإمارات من الدول الأبرز في الشرق الأوسط والعالم، في تركيزها على الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا، التي شهِدت تطوراً كبيراً بعد إطلاق استراتيجية الإمارات للثورة الصناعية الرابعة في سبتمبر/أيلول 2017، والتي تهدف إلى تعزيز مكانة دولة الإمارات بصفتها مركزاً عالميّاً للثورة الصناعية الرابعة.
بالإضافة سياسة الإمارات للصناعات المتقدمة في 25 ديسمبر/كانون الأول 2019، والتي تركز على الصناعات التي تواكب تطورات الثورة الصناعية الرابعة وتطبيقاتها بهدف الارتقاء بمستوى التصنيع في الدولة ونشر الثورة الصناعية الرابعة في مختلف قطاعاتها، ودعم نمو قطاع التصنيع في الدولة، وبما يعكس التزام حكومة الإمارات بمواصلة جهود التنويع الاقتصادي، ووضع هذا القطاع على رأس أولوياتها.
وتعدّ هذه الاستراتيجية الأولى من نوعها في المنطقة والعالم، وتهدف من خلالها إلى: تحقيق أهداف مئوية الإمارات 2071، وتعجيل تنفيذ البرامج والمشروعات التنموية لبلوغ المستقبل مع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بمعدل 100% بحلول عام 2031.
كما تهدف استراتيجية دولة الإمارات للثورة الصناعية الرابعة إلى تعزيز الابتكار والإنتاجية، وخفض انبعاثات الكربون في القطاع الصناعي، ورفد الاقتصاد الوطني بحوالي 25 مليار درهم بحلول عام 2031.
وتعتبر الثورة الصناعية الرابعة ركيزة أساسية ضمن خطة الحكومة لدعم الابتكار وتوفير فرص اقتصادية جديدة للأجيال القادمة. وتعتمد الاستراتيجية على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بما فيها؛ الأتمتة، التصنيع المتقدم، البلوك تشين، الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء.
- قادة شركات «يونيكورن»: دبي مركز عالمي للابتكار الرقمي وصناعة المستقبل
- سلطان الجابر: بقوة صناعتنا نحوّل التحديات إلى قوة راسخة
برنامج التحول التكنولوجي الصناعي
تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للثورة الصناعية الرابعة، من خلال تبني استراتيجيات ومبادرات تهدف إلى دمج التقنيات المتقدمة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وتسير دولة الإمارات بخطى واثقة نحو تبني مفاهيم الثورة الصناعية الرابعة، مستندة إلى رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز مكانتها كمركز عالمي للابتكار والتكنولوجيا.
من خلال استثمارات ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية، تسعى الإمارات إلى تحقيق اقتصاد متنوع ومستدام.
وتتبنى وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة برنامج الثورة الصناعية الرابعة المعروف بـ"برنامج الصناعة 4.0 في الإمارات"؛ والذي يهدف إلى تسريع دمج حلول وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة (4IR) في القطاع الصناعي بدولة الإمارات، وزيادة إنتاجيته بنسبة 30%.
كما يهدف البرنامج إلى تعزيز القدرة التنافسية الصناعية للدولة من خلال خفض التكاليف، وزيادة الإنتاجية، ورفع الكفاءة، وتحسين الجودة والسلامة، وخلق فرص عمل جديدة في المجال.
ويعد برنامج الصناعة 4.0 في الإمارات ركيزة التكنولوجيا المتقدمة لمشروع 300 مليار. ويهدف البرنامج إلى تسريع التحول الرقمي في قطاع الصناعة من خلال تمكين المصنعين بهدف تعزيز الإنتاجية الصناعية وخلق وظائف تتطلب مهارات عالية.
ويتضمن البرنامج عدد من المبادرات الرئيسية والتي تعزز التنافسية، وتساهم في تمكين الكوادر الإماراتية، وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، وهي:
- مؤشر التحول التكنولوجي الصناعي؛ يعد المؤشر الأول من نوعه على المستوى الإقليمي، ويهدف إلى قياس مدى نضج التحول التكنولوجي وممارسات الاستدامة في القطاع الصناعي.
- برنامج التحول 4.0؛ مبادرة تهدف إلى تسريع وتيرة التحول التكنولوجي في القطاع الصناعي في دولة الإمارات، وتبني ممارسات التصنيع المستدام، وتوفير الدعم المالي لتوسيع مبادراتها التحولية.
وتهدف المبادرة إلى تطوير مسار مسرع لدعم 100 شركة مصنّعة ذات إمكانيات واعدة في مسار التحول التكنولوجي، وتحويل مجموعة منها إلى منارات صناعية (مصانع رائدة يحتذى بها في مجالات الثورة الصناعية الرابعة).
ويهدف برنامج "التحول 4.0" إلى ترسيخ مكانة المصنّعين في دولة الإمارات كرواد عالميين في مجال اعتماد التكنولوجيا المتقدمة والتحول الرقمي. ويسهم البرنامج في دعم المصنّعين وتسريع جهودهم في مجال الرقمنة، وتعزيز ممارسات التصنيع المستدام، وتوفير حلول تمويلية لتوسيع نطاق مبادراتهم في هذا المجال.
- برنامج حوافز التحول التكنولوجي؛ وهو عبارة عن مجموعة من الحوافز لتسريع التحول التكنولوجي في القطاع الصناعي، لتشجيع الشركات الصناعية على اعتماد تقنيات الثورة الصناعية الرابعة والحصول على الدعم والممكنات والحوافز، بما يعزز كفاءتها وتنافسيتها.
- مراكز تمكين الصناعة 4.0؛ تمثل شبكة من المراكز المتخصصة، تهدف إلى بناء قدرات المصنّعين وتوفير مجموعة من الخدمات لدعم تبني التكنولوجيا المتقدمة.
- جائزة مصنع المستقبل؛ تأتي تحت مظلة جوائز "اصنع في الإمارات" التي تُعنى بالاحتفاء بالتميز والإبداع والابتكار في القطاع الصناعي، وتكرم المبدعين والروّاد وأصحاب الرؤى والمساهمات المتميزة إضافة إلى الشركات الصناعية الرائدة التي تسهم في دفع النمو الصناعي والتكنولوجي وتعزيز الاستدامة والابتكار في دولة الإمارات.
وتستخدم وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة مؤشر جاهزية الثورة الصناعية الرابعة لتقييم مدى تبني التكنولوجيا المتقدمة في القطاع الصناعي، ومن ثم وضع خريطة طريق دقيقة ومخصصة لاعتماد التقنيات التي تتناسب مع قدرات كل شركة بهدف زيادة الإنتاجية ورفع مستوى الكفاءة التشغيلية.
يقيّم المؤشر مستوى النضج الرقمي للعمليات والتكنولوجيات وتنظيم المصنع، كما يحدد مجالات التحسين لصياغة استراتيجيات التحول الرقمي. وهذا المؤشر معتمد من المنتدى الاقتصادي العالمي كمعيار عالمي لتوحيد مفاهيم الثورة الصناعية الرابعة.
تقدم وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة مجموعة من الحوافز المالية وغير المالية لتسريع اعتماد التكنولوجيا في المنشآت الصناعية.
وتشمل الحوافز المقدمة لحاملي الرخصة الصناعية ما يلي:
- الإعفاء من الرسوم الجمركية على تكنولوجيات الجيل الرابع
- الأهلية للحصول على تأشيرة إقامة ذهبية
- تحقيق معدل أعلى في برنامج القيمة الوطنية المضافة.
الإمارات مركز إقليمي للثورة الصناعية الرابعة
تُعد دولة الإمارات مركزاً إقليمياً رائداً للثورة الصناعية الرابعة (4IR)، حيث يبرز مركز الإمارات للثورة الصناعية الرابعة (C4IR UAE)، وهو شراكة بين مؤسسة دبي للمستقبل والمنتدى الاقتصادي العالمي، ومقره في "منطقة 2071" بدبي، وتشرف عليه مؤسسة دبي للمستقبل.
ويعمل مركز الثورة الصناعية الرابعة في الإمارات الذي تم إطلاقه عام 2019، وهو أول مركز تابع للمنتدى الاقتصادي العالمي في المنطقة، على دراسة التغييرات الجذرية التي تشهدها الاقتصادات والمجتمعات والسياسات العالمية بهدف توحيد الرؤى وتنسيق الجهود للاستفادة من أدوات التكنولوجيا الناشئة والتعاملات الرقمية في تطوير الخدمات واكتشاف فرص واعدة في كافة القطاعات المستقبلية.
وفي مطلع عام 2026، أبرمت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي اتفاقية مع المنتدى الاقتصادي العالمي لتنضم إلى شبكة مراكز الثورة الصناعية الرابعة، ضمن توسع عالمي يشمل ستة مراكز جديدة في دولة الإمارات، المملكة المتحدة، فرنسا، والهند.
وتركّز المراكز الجديدة على مجالات الذكاء الاصطناعي والتحوّل في الطاقة والمرونة السيبرانية، من مجالات الاهتمام المتزايد والأولويات لدى الحكومات وقطاعات الصناعة.
ويعالج كل مركز أولويات إقليمية محدّدة، مع الإسهام في حوار وتعاون دولي مشترك.
ويعمل المركز الذي تستضيفه جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي على تعزيز التميّز العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي وتعزيز التنافسية الوطنية والإقليمية. وبصفته جزءاً من شبكة مراكز الثورة الصناعية الرابعة، يجمع المركز قادة من مختلف القطاعات للمشاركة في التصميم المشترك وتنفيذ مبادرات تجريبية تدعم أبحاث الذكاء الاصطناعي، وحوكمته، واعتماده، وابتكاره.
وختاماً، من المتوقع أن تشهد الاستثمارات المخصصة للذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات نمواً متسارعاً ومتواصلاً خلال السنوات المقبلة، مدعومة بالمبادرات الحكومية والخاصة، على حد سواء.