ثقافة

بروفايل.. الفنان الجزائري محمد إيسياخم صاحب فلسفة "الحقد المقدس"

الأحد 2018.6.17 01:10 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 716قراءة
  • 0 تعليق
الفنان الجزائري محمد إيسياخم

الفنان الجزائري محمد إيسياخم

يحتفل محرك البحث الاجتماعي "جوجل" بمرور 90 عاما على ميلاد الفنان التشكيلي محمد إيسياخم أحد رواد الفن التشكيلي الجزائري، الذي ولدت موهبته وتفرده من الألم والمعاناة، فجاء فنه معبرا عن المرارة والقهر التي عانى منها هو وأبناء وطنه "الجزائر" لفترات طويلة حتى قضى عليه المرض في النهاية بعد أن ترك تجربة ملهمة في توظيف عنفوانه وتمرده بل وحقده كما أسماه "الحقد المقدس" إلى طاقة ونبع فني ساريين لا يفنيان. 


مسيرته الحياتية من الألم والمعاناة للعطاء:

ولد الفنان الراحل محمد إيسياخم في17 يونيو عام1928 في قرية "جناد" بمدينة القبائل في منطقة أزفون بالجزائر، التي عانت من الجوع والحروب والدمار، حيث عبر عنها في انفعالاته الفنية التي تجسدت في لوحاته الفنية التي جاءت مليئة بالقلق والعزلة والاغتراب، كما فقد أمه في سن الطفولة فكان له أكبر الأثر في لوحاته الفنية والتشكيلية التي جسدت الأمومة.

كما عانى إيسياخم وهو في الـ15 من عمره من حادث أليم حول مجرى حياته حتى مماته، ففي عام 1943 سرق قنبلة من معسكر فرنسي، وقد انفجرت القنبلة ما أدى إلى مقتل اثنين من أشقائه وأحد أقربائه، كما أصابته في ذراعه اليسرى، ونقل إلى المستشفى وظل بها سنتين تقريبا، وأجريت له عمليات عدة، ولكن للأسف لم تجد معه حيث بترت ذراعه اليسرى، درس بعدها الرسم على يد أستاذه الفنان محمد راسم.

سافر إلى فرنسا ليستكمل دراساته، حيث انضم إلى المدرسة العليا للفنون الجميلة بباريس عام 1951، وهناك عرض لوحاته الفنية في قاعة "أندريه موريس"، وعندما عاد إلى الجزائر عام 1963، أصبح أستاذا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة، ثم عضوا مؤسسا للاتحاد الوطني للفنون التشكيلية، ثم صار أحد أهم فناني الجرافيك والفن التشكيلي في الجزائر والوطن العربي، حيث أقام عديدا من المعارض الفنية في العواصم العربية، كما كان تجربة وحيدة في التأليف، وهي كتاب "35 سنة في جهنم رسام"، بالإضافة إلى عديد من الأعمال والموضوعات الصحفية.

فلسفة الحقد المقدس في أعماله الفنية:

"الحقد مقدس" إنه التعبير عن رفض القلوب القوية والقادرة، الكره يعني الحب، إنه الإحساس بحرارة الروح وكرمها، إنه يخفف القلق ويصنع العدالة إنه يجعل الإنسان أكبر من الأشياء التافهة والحقيرة" بهذه الكلمات التي صرح بها "إيسياخم"، ونشرت بعد ذلك في مجلة الجيل 1987، لخصت فلسفة الأعمال الفنية والتشكيلية له، حيث يمكن أن نسميها بـ"الحقد المقدس" كما قال الناقد الفني الجزائري أحمد عبد الكريم؛ لما لها من مبررات موضوعية تتعلق في وطن عانى من الدمار وويلات الحروب، وما نتج منها من حقد على الأوضاع المعيشية والحياتية، وهو ما نراه جليا في لوحة "ماسح الأحذية" .

كما كان الظرف الذاتي للفنان المتمثل في طفولة بائسة وفقدان لأمه ومعاناته من حادثة أليمة فقد على أثرها ذراعه، ونشأته والظلم والتراجيديا السوداء الذي تعرض لها في فترات حياته ونشأته تجسدت هذه الحياة الأليمة والبائسة والظالمة في أغلب أعماله الفنية، أهمها لوحة "الأرملة"، و"الصبية" حيث عبر فيها عن قلقه وبؤسه أيام الطفولة، كما صرح "إيسياخم" بنفسه قائلا: "لقد جعلت الحقد والعنفوان رفيقين لي، أحببت العزلة، وأحببت في العزلة كيف أكره كل ما يجرح الحق والصواب".

كان الرسم بالنسبة له تجسيدا وممارسة للمعاناة، حيث قال في حوار مع مجلة الثورة الأفريقية في مايو 1985 "البعض من الفنانين يدّعون أنهم يرسمون لأن ذلك يستهويهم، بينما أنا لا أرسم لأنني أرغب في ذلك.. الرسم يؤلمني، إنني أتعذب فيما أرسم، قد يكون ذلك نوعا من "المازوخية"، أنا رسام أو على الأقل هناك من يعُدُّني رساماً، وإن كان ذلك محل شك، لأنني لا أعرف معنى أن أكون رساما، الرسم في نظري كلمة فضفاضة وواسعة، لنفرض أنني أرسم".

وأضاف إيسياخم عندما سؤل لماذا ترسم؟ قائلا: "أنا لم أجئ إلى الرسم مثل الفنانين الفرنسيين، الإسبان والإيطاليين، أولئك يذهبون إلى الرسم بكل عفوية وبساطة، فلهم معالمهم وتقاليدهم الفنية، ومعظمهم نشؤوا في بيئات مثقفة، وترعرعوا في الموسيقى والمسرح والفن، أما فيما يتعلق بي، فأنا أعد الرسم أكبر صدمة في حياتي، قد تكون أفظع من الصدمة التي أدت إلى بتر ذراعي".

وتابع "آباؤنا لم يتركوا لنا حرية الإبداع، ولم يضعوا في متناولنا أقلام التلوين والفراشي وألوان "القواش"، وعندما كنا نقوم بالرسم في البيت العائلي كان الأب يصرخ فينا "ما هذا!" ويعاقبنا بالضرب، لأن الرسم لم يكن يعني له سوى تبديد الوقت، لقد حرمنا الرسم منذ نعومة طفولتنا، لذلك لا أستطيع أن أجيبك إن كنت أحب الرسم أم لا. ثم إنني لا أعلم إن كان الرسم شيئا يستحق الحب، الرسم في ظني غريزة وقدر".

حاز" إيسياخم" كثيرا من الجوائز والميداليات التقديرية، أهمها جائزة الأسد الذهبي في روما عام 1980، وقد توفي في ديسمبر 1985 بعد صراع مع مرض السرطان. لكن لا تزال أعماله الفنية منقوشة على العملات الجزائرية. 

تعليقات