ألينا فرنانديز.. «ابنة الثورة» الكوبية تكشف وجه كاسترو الخفي
طفولة مثالية عاشتها ألينا فرنانديز في هافانا قبل أن تنقلب حياتها رأسا على عقب حين اكتشفت أن الرجل الذي ربّاها لم يكن والدها البيولوجي.
في ذلك الوقت، أخبرتها والدتها ناتاليا ريفويلتا بأن والدها الحقيقي لم يكن الطبيب أورلاندو فرنانديز الذي تعرفه، بل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، الشخصية التي كانت تملأ شاشات التلفزيون وتحضر في كل تفاصيل الحياة العامة في كوبا.
وبعد مرور عقود على تلك اللحظة، لا تزال فرنانديز، البالغة اليوم 70 عاماً والمقيمة في الولايات المتحدة، تتحدث عن وقع الصدمة وإحساس الخيانة اللذين رافقا ذلك الاكتشاف.
وفي مقابلة مع صحيفة "ديلي ميل"، قالت فرنانديز إنها أدركت منذ البداية أن كاسترو لن يكون أباً بالمعنى التقليدي، وذلك رغم محاولات والدتها إبقاء صلة بينهما.
وترى أن الأنظمة لا تسقط من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى ضغوط خارجية لإنهائها، معتبرة أن الشعب الكوبي غير قادر بمفرده على إحداث التغيير في ظل طبيعة النظام القائم.
ورغم تأكيدها أنها لا تدعو من حيث المبدأ إلى غزو أمريكي لبلادها، لكنها أشارت إلى أن كثيرين داخل كوبا باتوا يرون أن أوضاعهم لم تعد تحتمل.
وتتصدر فرنانديز اليوم الفيلم الوثائقي الجديد "ابنة الثورة"، الذي عُرض للمرة الأولى في ميامي ويستعرض قصص عدد من المنفيين الكوبيين.
ويعكس عنوان الفيلم التناقض الذي يلازم حياتها؛ فهي ابنة الرجل الذي قاد الثورة الكوبية، لكنها في الوقت نفسه واحدة من أبرز منتقدي إرثه السياسي.
وتقول إن المنفى لم ينجح في قطع صلتها بوطنها، مضيفة: "نعيش هنا، لكن وطننا هناك".
القصة
تعود جذور قصتها إلى عائلة تنتمي إلى الطبقة الثرية في هافانا قبل الثورة، فقد كانت والدتها ناتاليا ريفويلتا من الداعمين البارزين للحركة الثورية المناهضة للرئيس فولغينسيو باتيستا، وساهمت في تمويل الثوار واحتضان اجتماعاتهم.
وخلال تلك الفترة، نشأت علاقة بينها وبين فيدل كاسترو، أثمرت عن ولادة ألينا، غير أن حقيقة النسب ظلت طي الكتمان لسنوات قبل أن تقرر الأم الكشف عنها.
وبعد انكشاف السر، غادر أورلاندو فرنانديز إلى الولايات المتحدة مع ابنة أخرى للعائلة، لتنقطع صلته بألينا التي لا تزال تعتبره والدها الحقيقي رغم كل ما حدث.
وبعد انتصار الثورة، بقيت ألينا في هافانا مع والدتها، بينما ظل كاسترو يحضر إلى حياتها بصورة متقطعة، وتصف علاقتها به بأنها كانت غريبة وغير مستقرة، إذ كان يزورها أحياناً ثم يغيب لفترات طويلة.
وعندما عرض عليها حمل اسمه، رفضت ذلك رغبة في الحفاظ على استقلاليتها، لكن الابتعاد عن ظله كان أمراً شبه مستحيل في بلد ارتبطت فيه الحياة اليومية بشخصية الزعيم وخطاباته المتواصلة.
ومنذ سنواتها الأولى بدأت تتبنى مواقف معارضة لبعض سياسات والدها، فقد رفضت ما كان يُعرف بـ"العمل التطوعي" الإلزامي في الحقول، وانتقدت القيود المفروضة على الأنشطة الاقتصادية الصغيرة.
وتقول إن الأيديولوجيا فرّقت بين أفراد العائلات الكوبية وأدت إلى انقسامات عميقة داخل المجتمع، كما تؤكد أن حواراتها مع كاسترو كانت دائماً أحادية الاتجاه، إذ كان يفضّل إلقاء آرائه أكثر من الاستماع إلى الآخرين.
وفي عام 1993، قررت الفرار من كوبا بعد سنوات من القمع والأزمة الاقتصادية، وتنكرت في هيئة سائحة إسبانية وغادرت البلاد تاركة خلفها ابنتها المراهقة، التي تمكنت لاحقاً من اللحاق بها إلى الولايات المتحدة بعد وساطة قام بها القس الأمريكي جيسي جاكسون.
واستقرت فرنانديز في ميامي وعملت فنية مختبر، قبل أن تعود إلى كوبا لفترة قصيرة عام 2014 لرعاية والدتها المريضة، حيث توفيت ريفويلتا في العام التالي بعدما ظلت مخلصة لكاسترو حتى نهاية حياتها، وهو أمر تقول فرنانديز إنها لم تستطع فهمه أو تقبله.
انتقادات واعتراف
رغم انتقاداتها الحادة لوالدها، فإنها تعترف بأنه كان شخصية ذات تأثير عالمي، وأنه لعب دوراً محورياً في نشر أفكار حركات التحرر في القرن العشرين، لكنها تؤكد أن فخرها الحقيقي لا يرتبط به، بل بقدرتها على بناء هويتها المستقلة بعيداً عن إرثه الثقيل.
ولا تخفي فرنانديز إعجابها بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، لكنها تحذر في الوقت نفسه من التعامل بسذاجة مع القيادة الكوبية.
كما تشكك في أن يكون راؤول كاسترو، الذي قاد البلاد بين عامي 2008 و2018، ما زال صاحب القرار الفعلي، مؤكدة أنها لا تملك معلومات دقيقة عن موازين القوى الحالية داخل هافانا، خاصة أنها لم تشعر يوماً بأنها جزء من عائلة كاسترو.
ورغم عقود المنفى والصراع مع إرث والدها، لا تزال فرنانديز تحتفظ بحنين عميق إلى الجزيرة التي غادرتها.
وتقول إن عودتها الأولى إلى كوبا بعد سنوات طويلة كانت تجربة مؤثرة ومليئة بالمشاعر المتناقضة، مؤكدة أنها تحلم بالعودة للعيش هناك يوماً ما إذا شهدت البلاد التغيير الذي تنتظره.
وتختتم حديثها بالقول إن كوبا، رغم كل ما تمثله من ألم وذكريات متشابكة، ما زالت الوطن الذي لم تستطع مغادرته بالكامل في قلبها.