في ذكرى اغتيال غسان كنفاني.. بقايا وطن في سيارة محترقة
في ذروة صيف بيروت، وتحديداً في الثامن من يوليو/تموز عام 1972، لم تكن الأرض على موعد مع حادثة عابرة، بل كانت على موعد مع زلزالٍ أدبيٍّ وسياسيٍّ هزّ وجدان الأمة.
استيقظت العاصمة اللبنانية على صوت انفجارٍ لم يمزق جسد غسان كنفاني فحسب، بل مزق أستار الصمت، وأطلق في الفضاء صرخةً أبديّةً لا تزال أصداؤها تتردد في أروقة التاريخ: "بابا.. لقد قتلوك". هذه الجملة، التي نطقت بها ليلى ابنة غسان، لم تكن مجرد صرخة طفلة مفجوعة، بل كانت إعلاناً عن بداية الخلود لكاتبٍ نذر روحه للقضية، وجعل من قلمه خنجراً في صدر النسيان.
حينما صار القلمُ أخطر من البندقية
لم يكن غسان كنفاني مجرد اسمٍ في سجلات الأدباء، بل كان "بصيرة" تمشي على قدمين. منذ أن وُلد في عكا عام 1936، وحمل في قلبه غصة النزوح في عام 1948، أدرك غسان أن فلسطين ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي "حالة إنسانية" تتطلب صياغة جديدة للواقع. لقد كان المهندس الذي أعاد بناء السردية الفلسطينية من ركام الخيام وأشلاء الذكريات.
كان غسان يدرك، بحدسه الذي لا يخطئ، أن العدو لا يخشى البندقية بقدر ما يخشى "الرواية". فالبندقية قد تُفرغ من رصاصها، لكن الرواية التي يكتبها كنفاني تظل تتناسل في عقول الأجيال كأنها نيران لا تخبو. لهذا، كان اغتياله حتمياً في عرف الجلادين؛ لقد أرادوا إسكات الصوت الذي كان يشرح للعالم، ببراعة أدبية نادرة، لماذا يُذبح الفلسطيني كل يوم، ولماذا يرفض أن يغيب عن ذاكرة الكون. لقد اغتالوا فيه "المثقف المشتبك"، الذي جعل من الرواية ساحة معركة، ومن المقالة مادة للمقاومة، ومن السياسة فنّاً للتمسك بالحق حتى آخر رمق.

تراتيل الوداع في شارع الحازمية
في ذلك الصباح القائظ، كان غسان يهم بالخروج، ومعه "لميس"، ابنة شقيقته، تلك الطفلة التي كانت ترى في خالها بطلاً من أساطير الحرية. دقيقتان فقط، كانتا الفاصل بين الحياة والعدم. حين دوى الانفجار، لم تكن مجرد قنبلة من الديناميت هي التي انفجرت، بل كان ثقل الحقد الصهيوني الذي استهدف كل ذرة في كيان هذا المبدع.
تصف "آني"، رفيقة عمره ودربه، تلك اللحظة وكأنها قطعة من الجحيم سقطت على الأرض. "تحطمت النوافذ، وكأن العالم ينهار"، تقول آني، بينما يغرق المكان في صمتٍ مريب قبل أن تندلع صرخات الفقد. بقايا السيارة المحترقة كانت الشاهد الوحيد على الجريمة، وساقه اليسرى التي عُثر عليها بعيداً كانت رمزاً للبقية الصامدة من جسدٍ أبى إلا أن يظل واقفاً. وفي تلك اللحظة الرهيبة، حين ارتمت ليلى في حضن العدم لتصرخ "بابا.. لقد قتلوك"، لم تكن تدرك أنها تطلق صرخة ستحفظها الأجيال كعنوانٍ لأكبر فجيعة أدبية في القرن العشرين. لقد كان توقيع الجريمة "مع تحيات سفارة إسرائيل"، وكأنهم أرادوا أن يخبروا العالم أن الاغتيال كان قراراً رسمياً، وأن الكلمة التي كتبها غسان كانت تزعجهم لدرجة جعلتهم يلاحقونه في الطرقات بعبوات الموت.

الروح التي لم ترحل في حطام السيارة
إن محاولة اغتيال غسان كنفاني كانت تهدف لإنهاء ظاهرة "المثقف الذي يكتب بدمه". لكنهم، بجهلهم المعتاد، منحوه الخلود. لقد تحول غسان بعد رحيله إلى "أيقونة" عابرة للحدود. إن رواياته؛ "رجال في الشمس"، "عائد إلى حيفا"، و"ما تبقى لكم"، تحولت إلى أناشيد تتلوها الأجيال. في "رجال في الشمس"، قدم غسان أصدق تصوير للضياع الفلسطيني، حين تساءل من قلب الخزان: "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"، ذلك السؤال الذي لا يزال يدوي في أذان كل من يعيش حالة الانتظار أو الخذلان.
لقد كان غسان يعرف أن أدبه هو "سلاحٌ ثقيل"، وكان يكتب وكأنه يرى نهايته مكتوبة في أفقٍ بعيد، لكنه لم يتوقف. كان يعلم أن كل جملة يخطها هي رصاصة في وجه المحتل، وكل قصة يرويها هي استعادة لبيتٍ سُرق أو حلمٍ أُجهض. لم يكن غسان يكتب للمتعة، بل كان يكتب "للبقاء". لذا، فإن موته لم يكن نهايةً للقصة، بل كان بدايةً لانتشارها. فمنذ عام 1972، تحولت أعماله إلى مرجع إنساني عالمي، تُرجمت إلى سبع عشرة لغة، ودرست في كبريات الجامعات، وكأن العالم أراد أن يعتذر لغسان بأن يخلد ما حاول القتلة محوه.
لماذا لا يموت غسان كنفاني؟
في عام 2026، ونحن نستحضر ذكرى غسان، ندرك أننا لا نحتفي بذكرى رجلٍ مات، بل نحتفي بفكرةٍ لا تموت. إن غسان كنفاني يعيش اليوم في كل طفل فلسطيني يمسك بكلماته، في كل كاتبٍ يسعى لقول الحق في زمن الزيف، وفي كل قلبٍ ما زال يؤمن بأن العودة هي الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن نعيش من أجلها.
لقد أرادوا أن يقتلوه، فصنعوا منه أسطورة. أرادوا أن يدفنوه في رماد السيارة، فأنبتوا من دمه آلاف الأقلام التي لا تزال تكتب "فلسطين" بكل لغات الأرض. إن قصة غسان كنفاني هي الدرس الأهم في تاريخنا المعاصر؛ درس أن الطغاة مهما امتلكوا من متفجرات، ومهما طاردوا المبدعين في شوارع المنافي، فإنهم يظلون عاجزين أمام "الكلمة الصادقة". لقد اغتالوا جسده، لكنهم منحوا روحه الخلود، ومنحوا قلمه القدرة على التحول إلى سيفٍ يقطع حبال النسيان.
سيبقى غسان كنفاني، ذلك الذي ارتدى غبار عكا وحمل وجع اللاجئين، سيد الرواية العربية وضميرها اليقظ. سيظل ذلك "البابا" الذي قتلوه، لكنهم لم يقتلوا فيه الأمل. ففي كل صفحة من صفحاته، في كل حرفٍ خطه بيده، وفي كل دمعة ذرفتها ليلى في ذلك الصباح البعيد، هناك غسان يتنفس، يحرضنا على ألا ننسى، ويذكرنا دائماً بأننا، وإن طال غيابنا، سنظل "عائدين إلى حيفا"، وأن الجدران التي سجنونا خلفها ليست سوى حواجز من ورق ستنهار يوماً تحت ضغط أرواحنا التي ترفض أن تموت.
غسان.. يا مَن علمتنا أن الكلمة هي أقدس الأسلحة، ارقد في طمأنينة الخالدين، فقصيدتك لم تنتهِ بعد، ودربك لا يزال مزدحماً بالخطوات التي تعرف طريقها جيداً نحو شمس العودة التي طالما حلمت بها. لقد قتلوك، لكنك ولدت فينا ألف مرة، ولن تكون يوماً مجرد ذكرى، بل ستظل حاضراً، كما الحقيقة، كما الأرض، وكما الشمس التي تشرق كل يوم لتقول إن الوطن لا يضيع ما دام هناك قلمٌ يرفض أن ينكسر، وقلبٌ يرفض أن ينسى.