تهديد وجودي لصناعة السيارات الأمريكية.. صعود صيني يرسم خريطة المنافسة
يثير تراجع جهود الولايات المتحدة في مجال السيارات الكهربائية مخاوف متزايدة من أزمة وجودية تهدد صناعة السيارات الأمريكية، وذلك في ظل تقدم شركات صناعة السيارات الصينية في التقنيات التي لا يزال الكثيرون يعتقدون أنها ستحدد ملامح الجيل القادم من السيارات.
وجاءت أحدث بوادر الخطر يوم الجمعة، عندما كشفت شركة ستيلانتيس عن خسارة قدرها 26 مليار دولار نتيجة لإعادة هيكلة شاملة لأعمالها، بما في ذلك تقليص إنتاج السيارات الكهربائية، مما أدى إلى انخفاض أسهمها بأكثر من 20%.
وأرجع الرئيس التنفيذي أنطونيو فيلوسا هذه الخسارة إلى المبالغة في تقدير وتيرة التحول في قطاع الطاقة.
ويأتي ذلك في أعقاب تراجع شركات صناعة السيارات الأمريكية الأخرى بشكل ملحوظ عن إنتاج السيارات الكهربائية بالكامل، لصالح الشاحنات الكبيرة التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود، مثل فورد F-150، وسيارات الدفع الرباعي مثل شيفروليه سابربان.
وفي المقابل، تتبنى شركات صناعة السيارات الصينية نهجا معاكسا، حيث تشهد نموا عالميا تقوده السيارات الكهربائية.
وقد تكبدت شركتا جنرال موتورز وفورد موتور، وهما من كبرى شركات صناعة السيارات التقليدية، خسائر بمليارات الدولارات في مجال السيارات الكهربائية، وهما بصدد تقليص إنتاجهما جزئيا بسبب فقدان الإعفاء الضريبي الفيدرالي وضعف الطلب الاستهلاكي.

حتى شركة تسلا، الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية، تواجه ضغوطا متزايدة، فقد تفوقت عليها شركة BYD الصينية في مبيعات السيارات الكهربائية، إذ فقدت العلامة التجارية التي يقودها إيلون ماسك جاذبيتها وحصتها السوقية في أوروبا هذا العام، بينما كثفت BYD صادراتها هناك وحول العالم.
كما ألغت تسلا الأسبوع الماضي إنتاج أقدم سيارتين كهربائيتين لديها، وكانتا الأقل مبيعًا، لإعادة توظيف مصنع أمريكي لإنتاج الروبوتات الشبيهة بالبشر.
وبعد قيادة حركة التحول إلى السيارات الكهربائية لسنوات، يبدو أن ماسك يركز الآن بشكل متزايد على مجالات أخرى، لا سيما الروبوتات، وسيارات الأجرة ذاتية القيادة، وشركته المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي دمجها مع شركة سبيس إكس في أكبر عملية اندماج في التاريخ.

في الوقت نفسه، قفزت الحصة السوقية العالمية للعلامات التجارية الصينية بنحو 70% خلال 5 سنوات، ويرى العديد من الخبراء في ذلك تهديدًا لشركات صناعة السيارات الأمريكية، بما في ذلك دخول العلامات التجارية الصينية المتوقع إلى السوق الأمريكية.
وهناك مخاوف لدى شركات صناعة السيارات العالمية من أن المنافسين الصينيين، مثل BYD وجيلي، قد يُغرقون الأسواق العالمية، مما قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج المحلي وأسعار السيارات.
واتخذت الولايات المتحدة نهجا حمائيا من خلال فرض تعريفات جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، لكن شركات صناعة السيارات الصينية حققت تقدمًا في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الجنوبية وأماكن أخرى.
وتشعر الشركات في الولايات المتحدة، حيث تمثل صناعة السيارات نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، بالقلق إزاء التداعيات طويلة الأجل.
ويقول تيري وويتشوفسكي، المدير التنفيذي السابق في جنرال موتورز ورئيس قسم السيارات في شركة الاستشارات الهندسية كيرسوفت جلوبال: "تمثل صناعة السيارات الصينية تهديدًا وجوديًا لشركات صناعة السيارات التقليدية".
وقد استخدم العديد من خبراء صناعة السيارات مصطلح "وجودي" عند مناقشة نمو شركات صناعة السيارات الصينية.
وتقول إليزابيث كريار، الرئيسة التنفيذية لمركز أبحاث السيارات: "لا يكمن الخطر الوجودي الذي يهدد صناعة السيارات الأمريكية في السيارات الكهربائية الصينية وحدها، بل في مزيج من الدعم الحكومي المستمر، وسلاسل التوريد المتكاملة رأسيًا، والسرعة؛ فهذه المزايا تخفض التكاليف وتُسرّع التنفيذ، وفي الوقت نفسه يدفع تشبع السوق الصينية المحلية شركات صناعة السيارات إلى التوسع بقوة في الأسواق العالمية".
وشهد قطاع السيارات الصيني تحولًا سريعًا من صناعة منعزلة إلى أكبر مُصدِّر للسيارات على مستوى العالم منذ عام 2023. ويعزو الخبراء هذا النمو إلى الدعم الحكومي للشركات، فضلًا عن ثقافة الابتكار والسرعة التي غرستها الصين في نفوس عمالها.
كما دفع تباطؤ السوق الصينية وانخفاض معدل استغلال المصانع الشركات إلى البدء في التصدير إلى أسواق السيارات الرئيسية عالميًا.
وكان توسع سوق السيارات الكهربائية في الصين مثيرًا للإعجاب بشكل خاص، حيث شهد نموًا عالميًا يقارب 800%، مدفوعًا بشكل رئيسي بنمو المبيعات في الصين من نحو 572,300 سيارة في عام 2020 إلى 4.95 مليون سيارة في عام 2025، وفقًا لبيانات غلوبال داتا GlobalData.
أما خارج الصين، فقد ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بأكثر من 1300%، من أقل من 33,000 سيارة إلى أكثر من 474,000 سيارة، بحسب الشركة نفسها.
ومع نمو الصين، تراجعت الحصة السوقية لشركات صناعة السيارات الثلاث الكبرى في ديترويت — جنرال موتورز، وفورد، وستيلانتيس (الشركة الأم لكرايسلر، والتي لم تعد تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها) — مجتمعةً من 21.4% في السوق العالمية عام 2019 إلى نحو 15.7% في عام 2025، وفقًا لبيانات ستاندرد آند بورز جلوبال موبيليتي.
ويُقارن ذلك بأكبر شركتي صناعة سيارات في الصين، بي واي دي وجيلي، اللتين ارتفعت حصتهما السوقية من أقل من 3% إلى نحو 11.1%، وفقًا لبيانات ستاندرد آند بورز جلوبال موبيليتي.
وكأن أحدث توسع أعلنته الصين هو دخولها السوق الكندية، وهي سوق سيارات صغيرة نسبيًا، والتي ألغت الرسوم الجمركية بالكامل على السيارات المستوردة من الصين وسط نزاع تجاري مع إدارة ترامب.
ويأتي هذا التوسع في أعقاب النمو السريع لشركات صناعة السيارات الصينية في المناطق الأقل دخلًا والأقل استقرارًا، والتي لطالما كانت أسواقًا واعدة لشركات صناعة السيارات الأمريكية، مثل أمريكا الجنوبية والهند والمكسيك.
كما أنها تحقق تقدمًا ملحوظًا في أوروبا، حيث ارتفعت حصتها من مبيعات السيارات من الصفر تقريبًا في عام 2020 إلى ما يقارب 10% في ديسمبر/كانون الأول، وفقًا لشركة داتا فورس الألمانية.
ويقول آل بيدويل، الخبير المقيم في المملكة المتحدة ومدير قسم أنظمة توليد الطاقة العالمية للسيارات في شركة غلوبال داتا: "لقد سهّل التحول إلى السيارات الكهربائية الأمور على الصين، لأنهم يمتلكون المنتجات المناسبة، فالسيارات الكهربائية فتحت لهم آفاقًا واسعة".
وأضاف بيدويل أن الصين تسعى إلى تقليل اعتمادها على النفط نظرًا لقلة مواردها منه، "لقد رأت فرصة سانحة لتكون رائدة في هذا المجال".
وتتوقع شركة غلوبال داتا أن يستمر نمو السيارات الكهربائية الصينية على مستوى العالم ليصل إلى نحو 6.5 مليون وحدة بحلول عام 2030، يليه ما يقرب من 8.5 مليون وحدة في عام 2035.
وسيشمل ذلك التوسع المستمر الولايات المتحدة، حيث تم استيراد عدد قليل من السيارات المصنعة في الصين، مثل سيارة بويك إنفيجن، في السنوات الأخيرة.