البحرين تكسر شبكات الظل الإيرانية بخطوات استباقية.. رسائل قوة وردع (خاص)
مساعٍ إيرانية متواصلة لتوظيف الشبكات الخفية والتحركات غير المباشرة لإرباك الداخل البحريني والتأثير على أمنه واستقراره، إلا أن المنامة كانت لتلك المحاولات بالمرصاد.
فما بين خلايا تُكشف وأخرى يُشتبه في امتدادها، تبرز المنامة كطرف يسعى إلى تثبيت معادلة ردع دقيقة، تجمع بين الحزم الأمني واليقظة الاستخباراتية، في مواجهة مشروع إقليمي يُتهم بتوظيف الشبكات السرية كأداة تأثير وإرباك داخل المنطقة.
ويوم السبت، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية الكشف عن «تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني» والقبض على 41 شخصا منضوين فيه، مع استمرار عمليات البحث والتحري بحق آخرين يشتبه في تورطهم.
وسبق للبحرين أن أعلنت خلال الأسابيع الماضية إحباط عدد من الخلايا والتنظيمات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو تتلقى دعماً وتدريباً من جهات مرتبطة بإيران.
دلالات
يقول البرلماني البحريني السابق بوخالد جمال بوحسن، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن تكرار الإعلان القبض على الخلايا الإرهابية يشير إلى أن التهديد لم يعد ظرفياً أو عابراً، بل يمثل مشروعاً منظماً ومستداماً يستهدف أمن البحرين واستقرارها.
وأوضح البرلماني السابق، أن الحرس الثوري الإيراني لا يزال ينظر إلى البحرين باعتبارها ساحة متقدمة لمحاولات الاختراق الأمني والسياسي الخليجي، عبر تجنيد عناصر محلية وتشكيل شبكات تعمل وفق أجندات خارجية، إلا أن تكرار كشف هذه الخلايا يبرهن على يقظة الأجهزة الأمنية البحرينية وقدرتها الاستباقية العالية في رصد التهديدات وإحباطها قبل تنفيذ مخططاتها.
وأكد أن البحرين أصبحت في مقدمة الدول التي تواجه بشكل مباشر محاولات الاختراق الإيرانية، بحكم موقعها الاستراتيجي وثبات مواقفها السياسية وتحالفاتها الخليجية والعربية، لذلك فإن المواجهة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أيضاً مواجهة استخباراتية وسيادية تهدف إلى حماية الدولة الوطنية من مشاريع الاختراق والتفكيك.
سر التوقيت
يقول المختص في الشأن الإيراني أسامة الهتيمي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الدلالة الأهم لتكرار الإعلان عن خلايا مرتبطة بالحرس الثوري داخل البحرين في هذا التوقيت يعني أن إيران تريد تفعيل ورقة هذه الخلايا كأحد أدوات الضغط على دول الخليج ومن ثم الضغط على واشنطن في حربها ضد إيران، مما يؤكد أن إيران لم تزل تضع البحرين في دائرة أطماعها المستهدفة في المنطقة.
خطوط حمراء
وأشار البرلماني البحريني السابق بوخالد جمال بوحسن إلى أن أمن البحرين الداخلي خط أحمر، مؤكدًا أن المنامة تعتبر أن أي اختراق داخلي أو تشكيل خلايا مرتبطة بالخارج يمثل امتداداً مباشراً للمشروع الإقليمي الإيراني الهادف إلى زعزعة استقرار الدول العربية وتقويض سيادتها الوطنية.
واعتبر أن القضية الأخيرة تعكس انتقال إيران من الدعم غير المباشر إلى إدارة شبكات أكثر تنظيماً وتعقيداً تعمل وفق هيكل أمني واستخباراتي مباشر، مشيرًا إلى أن الحرس الثوري بات يعتمد على خلايا مدربة وممولة وموجهة ضمن استراتيجيات طويلة المدي، بما يعكس تحولاً من «التأثير السياسي» إلى «الإدارة العملياتية» لشبكات مرتبطة بمصالحه في المنطقة.
حائط صد
وبحسب البرلماني السابق، فإن البحرين حققت تطوراً كبيراً في بناء منظومة أمنية حديثة تعتمد على العمل الاستخباراتي الاستباقي، والتنسيق الإقليمي والدولي، واستخدام التقنيات المتقدمة في الرصد والمتابعة، مشيرًا إلى أن نجاح الأجهزة الأمنية المتكرر في كشف الخلايا وإحباط المخططات يؤكد وجود خبرة تراكمية وكفاءة احترافية عالية في التعامل مع التهديدات غير التقليدية المرتبطة بالحرس الثوري والتنظيمات التابعة له.
وأكد البرلماني البحريني السابق بوخالد جمال بوحسن، أن نجاح السلطات في إحباط الشبكات الإيرانية، يحمل عدة رسائل مهمة؛ أبرزها أن البحرين دولة قوية تمتلك مؤسسات أمنية قادرة على حماية سيادتها، وأنها لن تتهاون مع أي تهديد يمس أمنها الوطني.
فيما الرسالة الثانية، هي رسالة ردع لأي جهات مرتبطة بالخارج بأن الدولة قادرة على الوصول إلى الشبكات قبل تنفيذ مخططاتها، أما على المستوى السياسي فتؤكد البحرين للمجتمع الدولي أن خطر الحرس الثوري ليس ادعاءً سياسياً، بل تهديد حقيقي موثق بالأدلة والوقائع، يقول البرلماني البحريني السابق بوخالد جمال بو حسن.
بدوره، قال مدير مؤسسة الجيوستراتيجي للدراسات الإيرانية، إبراهيم كابان، إن المنامة تريد توجيه أكثر من رسالة في آن واحد. داخلياً، تؤكد أن الدولة تملك القدرة على حماية الاستقرار ومنع أي اختراق أمني. وخارجياً، تسعى لإبراز أن التهديد الإيراني ليس خطاباً سياسياً مبالغاً فيه، بل واقعاً أمنياً قائماً تدعمه معطيات وتحقيقات.
كذلك تحمل هذه الإعلانات رسالة إلى المجتمع الدولي بأن أمن الخليج مترابط، وأن أي تساهل مع أنشطة الحرس الثوري سينعكس على استقرار المنطقة بأكملها.
نجاحات أمنية
من جانبه، قال المختص في الشأن الإيراني أسامة الهتيمي، إن البحرين ومن خلال تجاربها وخبرتها الممتدة عبر عقود في التعاطي مع هذه القلاقل الأمنية نجحت في بلورة رؤية أمنية محددة للتعامل مع هذا الملف، مشيرًا إلى أنها نجحت في إجهاض الكثير من مخططات الفوضى التي تعرضت لها على مدار سنوات.
وأوضح أن البحرين أضحت تمتلك قدرات كبيرة في الكشف المبكر عن هذه الخلايا وقبل أن تنجح في تنفيذ عمليات تهدد الأمن والاستقرار .
بدوره، قال مدير مؤسسة الجيوستراتيجي للدراسات الإيرانية، إبراهيم كابان، إن البحرين طورت خلال السنوات الماضية بشكل واضح قدراتها الاستخباراتية والأمنية، سواء على مستوى الرصد المبكر أو تفكيك الشبكات أو التنسيق الإقليمي والدولي.
فتكرار كشف هذه الخلايا بحد ذاته يعكس وجود تطور في العمل الأمني والقدرة على الاختراق والمتابعة، يقول كابان، مشيرًا إلى أن المنامة استفادت من خبرات متراكمة منذ أحداث العقد الماضي، وأصبحت أكثر وعياً بطبيعة التهديدات غير التقليدية التي تعتمد على الخلايا الصغيرة والعمل السري والحرب السيبرانية والدعاية الإعلامية.
كيف يستثمر الحرس الثوري الأزمات الإقليمية؟
بحسب البرلماني البحريني بوخالد، فإن الحرس الثوري يعتمد على استغلال الفوضى والتوترات الإقليمية لتوسيع نفوذه، من خلال خلق بيئات قابلة للاختراق الأمني والطائفي، وتجنيد العناصر المحلية، وتوظيف الأزمات السياسية والاقتصادية كأدوات للتأثير، إضافة إلى أنه يعمل على بناء شبكات مرتبطة به عقائدياً وأمنياً بهدف تحويل بعض الدول إلى ساحات نفوذ غير مباشر تخدم المشروع الإيراني في المنطقة.
هذه التنظيمات تمثل إحدى أهم أذرع «الحرب بالوكالة» التي يعتمد عليها الحرس الثوري لتحقيق أهدافه دون الدخول في مواجهة مباشرة؛ إذ تقوم هذه المجموعات بأدوار أمنية وتحريضية واستخباراتية داخل الدول المستهدفة، بما يسمح لإيران بإدارة الصراع بأدوات محلية مع الحفاظ على مساحة من الإنكار السياسي والإعلامي، يضيف البرلماني البحريني السابق.
من جانبه، أكد الهتيمي، أن إيران تجيد اللعب والعمل في بيئة تتسم بالفوضى والاضطراب ولهذا تقوم بما يمكنها لإحداث ذلك في أي منطقة تستهدفها، مما يمهد لها الأرضية المناسبة لتنشيط عمل الحرس الثوري وتجنيد العملاء وتجذير الاستقطاب.
الأمر نفسه أشار إليه إبراهيم كابان، قائلا إن تكرار الإعلان عن ضبط خلايا مرتبطة بالحرس الثوري لا يمكن قراءته كحوادث أمنية منفصلة، بل كمؤشر على وجود نمط عمل مستمر يعتمد على بناء شبكات مرنة وقابلة لإعادة التموضع.
وأوضح أن تكرار هذه القضايا يكشف عن أن الحرس الثوري لا يتعامل مع الملف البحريني بمنطق ظرفي، وإنما ضمن استراتيجية طويلة الأمد تقوم على الاستنزاف الأمني وإبقاء حالة التهديد قائمة حتى في الفترات التي تشهد هدوءاً سياسياً.
بدوره، قال إبراهيم كابان، إن الحرس الثوري يعتبر الأزمات الإقليمية فرصة لإعادة التموضع والتوسع، فكلما زادت التوترات الإقليمية أو تراجعت قدرة الدول على التركيز الداخلي، يتحرك لبناء قنوات نفوذ جديدة أو تنشيط خلايا كامنة.
وأوضح أن الحرس الثوري يفضل غالباً إدارة النفوذ عبر أطراف محلية تمتلك معرفة بالبيئة الاجتماعية والسياسية، ما يمنحه قدرة على التحرك بتكلفة أقل وبمرونة أكبر، مشيرًا إلى أن هذه العلاقة لا تقوم فقط على الدعم المالي أو العسكري، بل تشمل أيضاً بناء خطاب سياسي وأيديولوجي يربط تلك المجموعات بالمشروع الإقليمي الإيراني بشكل تدريجي.
ما أهمية التعاون الأمني الخليجي في مواجهة الشبكات العابرة للحدود؟
يقول البرلماني البحريني السابق، إن التعاون الأمني الخليجي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الشبكات، لأن التهديدات المرتبطة بالحرس الثوري عابرة للحدود ولا تستهدف دولة بعينها فقط، بل أمن الخليج ككل.
ومن خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الأمني المشترك وتوحيد الجهود، تستطيع دول الخليج تعزيز قدرتها على كشف الخلايا وتجفيف مصادر التمويل والدعم والتصدي للمشاريع التخريبية قبل انتشارها وتوسعها، يختتم البرلماني البحريني السابق تصريحاته.
بدوره، قال أسامة الهتيمي، إن التعاون الأمني الخليجي ساهم في مواجهة الشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالحرس الثوري، مشيرًا إلى أن دول الخليج تدرك أهمية التنسيق والتعاون الأمني بينها، حتى يمكنها تفادي التداعيات الخطيرة لهذه التحركات الإيرانية.
ضرورة استراتيجية
من جانبه، قال إبراهيم كابان، إن التعاون الأمني الخليجي أصبح ضرورة استراتيجية، لأن طبيعة هذه الشبكات تتجاوز حدود دولة واحدة وتتحرك عبر مسارات مالية وإعلامية ولوجستية عابرة للحدود.
وأشار إلى أن أي مواجهة منفردة تبقى محدودة الفاعلية، بينما التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات والخبرات يرفع من قدرة دول الخليج على كشف التحركات المبكرة واحتواء التهديدات قبل تحولها إلى أزمات أمنية كبرى. كما أن توحيد الرؤية الأمنية الخليجية يبعث برسالة ردع واضحة تجاه أي محاولات لاختراق استقرار المنطقة.