مباراة للهيمنة في الذكاء الاصطناعي.. نجمان دوليان وبقية العالم مشاهدون
تتكشف مع الوقت معادلة جديدة للقوة في خضم سباق عالمي محموم على ريادة الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين.
وحذر سام وينتر-ليفي وأنطون ليخت في تحليل بمجلة "فورين أفيرز" من “فجوة ذكاء اصطناعي” التي قد تعيد رسم خريطة النفوذ الدولي لعقود مقبلة.
وذكر الكاتبان في التحليل أن البلدين العملاقين يوظفان نحو 70% من أبرز باحثي تعلم الآلة عالمياً، ويستحوذان على 90% من القدرة الحاسوبية في العالم، ويجذبان أكثر من ضعف الاستثمارات التي تتلقاها بقية الدول مجتمعة. وهذه الدائرة المغلقة تضم حوسبة أكبر تولّد نماذج أقوى، وتجذب مستخدمين أكثر، فتدر إيرادات أعلى، فاستثمارات أضخم. وتعزز هذه الدائرة المغلقة تفوقًا يصعب كسره.
الدول الأخرى خارج الركب
ولا يمكن “تخزين” قدرات الذكاء الاصطناعي أو اللحاق بها تدريجياً؛ فكل استخدام يعتمد على بنية تحتية تسيطر عليها شركات قليلة، وضمن أطر تنظيمية يمكن تسييسها عبر قيود تصدير أو عقوبات. وفي المنتصف تقف “القوى المتوسطة” مثل فرنسا والهند والمملكة المتحدة وهي دول تملك مؤسسات قوية واقتصادات معتبرة، لكنها تفتقر إلى الحجم الرأسمالي والطاقة والقدرة الحاسوبية لبناء أنظمة ريادية بمفردها.
وهذه الدول تواجه ثلاثة تحديات: أولًا، أن وصولها إلى النماذج المتقدمة مرهون بقرارات واشنطن وبكين. ثانيًا، هذه الدول ستتأثر سلبًا بآثار الذكاء الاصطناعي -من إزاحة الوظائف إلى الجرائم السيبرانية- سواء جنت فوائده أم لا. أما ثالث هذه التحديات، فنفوذها يعد محدوداً في توجيه مسار التطوير أو إدارة تبعاته.
وتتيح محاولات التحصّن عبر بناء مراكز بيانات لاستضافة نماذج أجنبية، قدراً من التحكم، لكنها باهظة الكلفة، كما أنها تظل رهينة التحديثات المستمرة وسلاسل إمداد الشرائح المتقدمة. والسعي إلى “سيادة كاملة” عبر تطوير نماذج محلية، كما تحاول بعض الشركات الأوروبية والكندية، يصطدم بفجوة أداء لا تزال محسومة لصالح الأنظمة الأمريكية والصينية.
ثلاث مسارات استراتيجية
واعتبر التحليل إنه أمام القوى المتوسطة ثلاثة مسارات استراتيجية. أولا: “الالتحاق” بمعسكر إحدى القوتين لضمان الوصول إلى منظومة متكاملة، وهو خيار يمنح استقرارًا لكنه يكرّس اعتمادًا أحاديًا ويعرّض الدولة لابتزاز جيوسياسي. أما الثاني فهو “التحوّط”، أي موازنة العلاقات مع الطرفين للحصول على شروط أفضل، كما تفعل بعض دول جنوب شرق آسيا؛ لكن هذا النهج يصبح هشًا إذا انقسم العالم إلى كتل متنافسة. والمسار الثالث، بحسب التحليل، فهو رهان السيادة عبر استثمارات ضخمة في الحوسبة والطاقة والمواهب، وهو مسار عالي المخاطر وغير مضمون العواقب.
المشاركة في سلاسل القيمة
في المقابل، يمكن للقوى المتوسطة أن تبحث عن موطئ قدم في حلقات لا يمكن الاستغناء عنها في سلسلة القيمة. والتي تتكون من مدخلات أساسية (معدات تصنيع أشباه الموصلات، بيانات تدريب عالية الجودة)، أو في مرحلة التطبيق (الروبوتات، التصنيع المتقدم، البحث والتطوير التطبيقي)، أو في قطاعات أقل قابلية للأتمتة (الرعاية الصحية والسياحة). والأمثلة تشمل شركة ASML الهولندية والتي تكشف كيف يمكن لأصل استراتيجي يصعب استنساخه أن يتيح نفوذًا دائمًا.
واختتم التحليل بدعوة القوى المتوسطة أن تتجنب الارتهان لمسار واحد، وأن تحمي أصولها الاستراتيجية من التفريط أو البيع قصير الأجل، إلى جانب انتهاج سياسات صناعية انتقائية.
كما دعا الكاتبان الولايات المتحدة، إذا أرادت توسيع تحالفها التكنولوجي في مواجهة الصين، إلى أن تجعل الوصول إلى تقنياتها موثوقًا وغير مسيّس. وإلا، فإن ثنائية واشنطن-بكين قد تمضي قدمًا نحو ثورة تكنولوجية تحتكر معظم القدرة الحاسوبية والمواهب، تاركة بقية العالم يدفع تكلفة التحول دون أن يحصد ثماره.