«القصر المتهالك».. قرن من الأزمات يطارد العائلة المالكة البريطانية
في مشهد غير مألوف في تاريخ العائلة المالكة البريطانية، ظهر الأمير السابق أندرو، جالساً في المقعد الخلفي لسيارة شرطة بلندن، في صورة التقطتها عدسات الصحافة وتحولت سريعاً إلى عنوان أزمة جديدة تضرب المؤسسة الملكية.
اعتقال أندرو ماونتباتن-وندسور للتحقيق في شبهات تتعلق بإساءة استخدام منصبه السابق كمبعوث تجاري للمملكة المتحدة، أعاد إلى الواجهة ليس فقط علاقته السابقة بالملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، بل أيضاً السؤال الأوسع حول قدرة بيت وندسور على الصمود في وجه قرن متواصل من العواصف.
التحقيقات الحالية لا تتعلق بعلاقة شقيق الملك، بجيفري إبستين قبل انتحاره في سجن بنيويورك عام 2019، بل بشبهات تسريب معلومات تجارية خلال فترة عمل أندرو الرسمية.
الأمير السابق نفى مراراً ارتكاب أي مخالفات، ولم يعلّق تفصيلاً على التطورات الأخيرة، غير أن إعادة اسمه إلى واجهة الاتهام تمثل عبئاً ثقيلاً على شقيقه الأكبر، الملك تشارلز الثالث، الذي دخل عامه الرابع على العرش وسط تحديات شخصية وصحية معقدة.
معركة ملك ضد أخيه
اختار تشارلز منذ البداية مساراً حاسماً: تجريد أندرو من ألقابه العسكرية ورعاياته الرسمية، وإبعاده عن الأدوار العامة، مع التشديد على أن “القانون يجب أن يأخذ مجراه”.
إلا أن تداعيات القضية لا تقف عند حدود المساءلة الفردية، فالحكومة البريطانية تدرس إمكان إدخال تشريع يستبعد أندرو من ترتيب ولاية العرش، حيث لا يزال يحتل موقعاً متقدماً، في خطوة غير مسبوقة في التاريخ الحديث للعائلة.
وهكذا تتحول أزمة شخصية إلى اختبار دستوري يمس جوهر مؤسسة تقوم على الاستمرارية والرمزية أكثر من السلطة الفعلية.
حرب غيرت الاسم
لم تكن هذه المرة الأولى التي تُضطر فيها العائلة إلى إعادة تعريف نفسها تحت ضغط التاريخ. فآل وندسور، بصيغتهم الحالية، وُلدوا من رحم الحرب العالمية الأولى. فقد كانت العائلة المالكة ذات جذور ألمانية واضحة تحت اسم ساكس-كوبرغ وغوتا، وهو ما أصبح عبئاً سياسياً وأخلاقياً مع اندلاع الحرب ضد ألمانيا.
وفي عام 1917، قرر الملك جورج الخامس تغيير اسم العائلة إلى “وندسور”، وتجريد أقارب دعموا الجانب الألماني من ألقابهم، في سابقة تشريعية هدفت إلى حماية شرعية العرش أمام الرأي العام البريطاني.
الحب الذي هز العرش
لكن الزلزال الأكبر جاء عام 1936، حين اعتلى إدوارد الثامن العرش ثم تنازل عنه بعد أقل من عام ليتزوج الأمريكية المطلقة مرتين واليس سيمبسون.
الأزمة لم تكن عاطفية فحسب، بل دستورية ودينية أيضاً، إذ كان الملك رأساً فخرياً لكنيسة إنجلترا التي لم تكن تقر زواج المطلقين في الكنيسة.
وفي خطاب إذاعي تاريخي، أعلن إدوارد أنه لا يستطيع أداء واجباته “دون مساعدة ودعم المرأة التي أحب”.
التنازل أعاد تشكيل خط الخلافة، فاعتلى شقيقه العرش باسم جورج السادس، ثم ورثته ابنته إليزابيث الثانية، لترسخ في الوعي العام فكرة أن الواجب يعلو على الرغبة الشخصية.
ديانا: الانفجار الأعظم
بعد عقود واجهت العائلة اختباراً شعبياً غير مسبوق مع وفاة الأميرة ديانا في حادث سيارة بباريس عام 1997.
ديانا، الزوجة السابقة لتشارلز، تحولت في نظر كثيرين إلى “أميرة الشعب”، فيما بدت المؤسسة الملكية بطيئة في التقاط نبض الشارع الغاضب والحزين.
تراكمت الزهور أمام قصر باكنغهام، وتصدرت الصحف عناوين تطالب الملكة بالتحدث إلى الأمة.
وبعد أيام من الصمت، خرجت إليزابيث الثانية بخطاب متلفز نادر، خاطبت فيه البريطانيين “بصفتي ملكتكم وجدّتكم”، في لحظة اعتُبرت نقطة تحول في علاقة العرش بالرأي العام.
الابن الضال
اليوم، وبينما يحاول تشارلز احتواء تداعيات قضية أندرو، يلوح في الأفق توتر آخر يتمثل في العلاقة المتصدعة مع ابنه الأصغر، الأمير الأمير هاري.
فمنذ قرار هاري مع زوجته ميغان ماركل بالتنحي عن المهام الملكية والانتقال إلى الولايات المتحدة عام 2020، لم تتوقف السجالات العلنية كان أبرزها المقابلة مع أوبرا وينفري، ومسلسل وثائقي على نتفليكس، ومذكرات "البديل" التي كشفت تفاصيل حميمة عن الحياة داخل القصر.
كما لجأ هاري إلى القضاء ضد مؤسسات صحفية، في خطوة نادرة لأحد أبرز أفراد العائلة المالكة، ونجح في إحدى القضايا المتعلقة بالتنصت، فيما خسر معركة استعادة حراسته الأمنية الرسمية.
ولم يدم لقاء مقتضب جمع الأب والابن في كلارنس هاوس بلندن في سبتمبر/أيلول الماضي أكثر من ساعة، في إشارة إلى أن الخلافات أعمق من أن تُطوى سريعاً.
الملكية البريطانية، التي تتمتع بمكانة رمزية رفيعة وتفتقر في الوقت ذاته إلى سلطة تنفيذية حقيقية، تعتمد في بقائها على ثقة الرأي العام.
ومن تغيير الاسم خلال الحرب، إلى تنازل إدوارد عن العرش، إلى صدمة ديانا، وصولاً إلى أزمات هاري وأندرو، تبدو العائلة وكأنها تسير على حبل مشدود بين الواجب والتعاطف، بين الخصوصية والشفافية.