انخفاض المواليد.. باب أمل لمستقبل التكنولوجيا في بريطانيا
لا تشارك بريطانيا بقية الدول المتقدمة قلقها بشأن انخفاض معدلات الإنجاب باعتباره أحد أكبر التحديات الاقتصادية في العقود المقبلة.
بل يطرح عدد من اقتصادييها رؤية مغايرة تمامًا، مفادها أن تراجع أعداد المواليد قد لا يكون نذير أزمة، بل قد يصبح محركًا لنمو اقتصادي أعلى وإنتاجية أكبر، إذا نجحت الاقتصادات في تعويض نقص العمالة بالتكنولوجيا والابتكار.
وتأتي هذه الرؤية في وقت دخلت فيه بريطانيا مرحلة ديموغرافية غير مسبوقة، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد الوفيات في إنجلترا وويلز تجاوز عدد المواليد لأول مرة منذ نحو نصف قرن، في ظاهرة أطلق عليها مركز العدالة الاجتماعية البريطاني اسم "يوم الوفيات"، نتيجة الانخفاض الحاد في معدلات الإنجاب خلال العقد الأخير.
أدني مستوى من المواليد
وعلى مدى سنوات، اعتبر الاقتصاديون هذا الاتجاه بمثابة "قنبلة ديموغرافية موقوتة"، لأن انخفاض عدد المواليد يعني تقلص أعداد العاملين مستقبلاً، في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد كبار السن، بما يفرض ضغوطًا متزايدة على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية والمالية العامة.
نعمة وليس نقمة
ويقول أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للأعمال وأحد المشاركين في الدراسة، أندرو سكوت، إن العلاقة ليست مباشرة بين انخفاض عدد السكان وضعف الاقتصاد، موضحًا أن نقص العمالة يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل تكنولوجية أكثر كفاءة، ما يسرع الاستثمار في الأتمتة والذكاء الاصطناعي والروبوتات.
ووفقًا لهذه الرؤية، فإن تقلص أعداد العاملين يرفع المنافسة على العمالة المتاحة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الأجور وتحسين الإنتاجية، بينما تلجأ الشركات إلى التكنولوجيا لتعويض النقص في الموظفين بدلاً من تقليص نشاطها.
ونقل أيضا تقرير "التليغراف" الذي تطرق إلى الدراسة، عن المسؤول في مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني، ديفيد مايلز، قوله إن الكثير من التحليلات المتعلقة بانخفاض الخصوبة تبالغ في تصويرها ككارثة اقتصادية، مؤكدًا أن الأدلة تشير إلى أن الاقتصادات قادرة على التكيف مع التحولات الديموغرافية بصورة أفضل مما يعتقده كثيرون.
وتوضح الدراسة أن الدول التي سجلت أدنى معدلات للإنجاب كانت أيضًا من أكثر الدول استثمارًا في التكنولوجيا والأتمتة. فاليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، التي تتراوح فيها معدلات الخصوبة بين 0.7 و1.1 طفل لكل امرأة، أصبحت من أكثر الاقتصادات اعتمادًا على التقنيات الحديثة والروبوتات الصناعية.
وتشير رئيسة معهد بيكتيه للأبحاث في سويسرا، ماريا فاسالو، إلى أن هذه الدول تبنت التكنولوجيا في وقت مبكر لمواجهة نقص العمالة، لافتة إلى أن اليابان وكوريا الجنوبية والصين تمتلك أكثر من 40 روبوتًا لكل ألف عامل، وهو معدل يقترب من أربعة أضعاف المتوسط العالمي.
وفي الصين، التي يتوقع أن ينخفض عدد سكانها من أكثر من مليار نسمة إلى نحو 630 مليون نسمة بحلول عام 2100، بدأت الروبوتات البشرية بالفعل في سد فجوات سوق العمل الناتجة عن الشيخوخة السكانية، وسط توقعات بوجود عجز يبلغ نحو 37 مليون عامل خلال العقد المقبل.
الروبوتات.. قوة عمل
وتتوقع مؤسسة "باركليز" أن تمثل الروبوتات البشرية بحلول عام 2035 ما يعادل نحو 4% من إجمالي القوة العاملة الحالية في الصين، في تطور يعكس التحول المتسارع نحو اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الأتمتة.
كما اختبر الباحثون فرضيات أخرى قد تفسر ارتفاع الإنتاجية، مثل تحسن مستويات التعليم أو زيادة مشاركة النساء في سوق العمل، إلا أن نتائجهم أشارت إلى أن هذه العوامل لا تفسر وحدها الظاهرة.
ويعتقد المتخصص في اقتصاد السكان، فيجارد سكيربيك، أن انخفاض عدد الأطفال داخل الأسرة يمنح الوالدين وقتًا أكبر للعمل وتطوير مهاراتهم، كما يسمح بتوجيه موارد مالية وتعليمية أكبر لكل طفل، وهو ما ينعكس على جودة رأس المال البشري في المستقبل.
وأضاف أن الدول التي تحقق أفضل نتائج تعليمية عالميًا غالبًا ما تكون أيضًا من بين أقل الدول في معدلات الإنجاب، لأن الأسر والحكومات تستطيع استثمار موارد أكبر في كل طفل، بما يعزز جودة التعليم والإنتاجية على المدى الطويل.
ووفقا لذلك، فإن انخفاض معدلات الإنجاب لا يعني بالضرورة تراجع الازدهار الاقتصادي، بل قد يكون عاملًا يدفع الاقتصادات إلى تسريع الابتكار، وزيادة الاستثمار في التكنولوجيا، وتحسين إنتاجية العامل الواحد، وهو ما قد يجعل الاقتصادات أكثر ثراءً رغم تقلص عدد السكان.
وتكشف البيانات أن عام 2025 سجل نحو 585 ألف مولود فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 1977، بينما تراجع متوسط عدد الأطفال لكل امرأة إلى 1.4 طفل، مقارنة بنحو 1.9 طفل في عام 2010، وهو مستوى يقل كثيرًا عن معدل الإحلال السكاني البالغ 2.1 طفل لكل امرأة.
إلا أن دراسة حديثة أعدها عدد من الاقتصاديين في بريطانيا والولايات المتحدة، من بينهم الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد دارون أسيموغلو، ترى أن انخفاض معدلات الإنجاب قد يؤدي في النهاية إلى رفع إنتاجية الاقتصاد وزيادة متوسط الدخل للفرد.