التعديل الوزاري في بوركينا فاسو.. «خطاب الثورة» يطرق أبواب السلطة
لا يعد التعديل الوزاري في بوركينا فاسو تغييرا حكوميا تقليديا، إذ عكس سعي السلطة لإعادة صياغة الدولة على "أسس ثورية"، وفقا لخبراء.
وضمن ما بات يعرف بـ"وزارات الحرب وخدمة الشعب وبناء الوطن"، يواصل قائد المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري، دفع مشروعه الذي يصفه بـ"الثورة".
وكرس التعديل الوزاري الذي أُعلن في 12 يناير/كانون الثاني الجاري تغييرات ذات طابع رمزي بالأساس، إذ حملت إشارات واضحة إلى السياسة السيادية التي يسعى تراوري إلى فرضها على البلاد منذ توليه السلطة عقب انقلاب عام 2022، بحسب إذاعة "آر إف أي" الفرنسية.
واعتبر خبراء سياسيون أن التعديل الوزاري يمثل خطوة رمزية تعكس توجّهًا أيديولوجيًا متصاعدًا لدى السلطة العسكرية، وسط سياق إقليمي شديد الاضطراب،
وباستثناء وزير الرياضة والشباب والتشغيل، رولان سومدا، الذي أُقيل على خلفية الخروج المبكر للمنتخب الوطني من بطولة كأس أمم أفريقيا 2025 المقامة في المغرب، حافظت أبرز وجوه الحكومة على مناصبها.
واستمر الفريق الحكومي المكوّن من 22 وزيرًا، بقيادة رئيس الوزراء جان إيمانويل ويدراوغو.
تغييرات رمزية
التحول الأبرز في هذا التعديل لا يكمن في الأشخاص، بل في التسميات الجديدة لبعض الوزارات، التي تعكس بوضوح الخطاب الثوري الذي يتبناه قائد المجلس العسكري.
فقد تحولت وزارة الدفاع وشؤون المحاربين القدامى إلى "وزارة الحرب والدفاع الوطني"، في صيغة توحي بخطاب تعبوي صارم.
كما جرى دمج وزارتي البنية التحتية والعمران في وزارة واحدة تحت اسم "وزارة بناء الوطن"، في حين أُعيدت تسمية وزارة الوظيفة العمومية والعمل والحماية الاجتماعية لتصبح "وزارة خَدَمة الشعب".
ورغم أن هذه التسميات قد تبدو للبعض مثيرة للجدل أو حتى ساخرة، فإنها تعكس في العمق تطورًا واضحًا في رؤية تراوري. فعندما قاد انقلابه في سبتمبر/أيلول 2022، وكان يبلغ من العمر 34 عامًا، برر تحركه بالحاجة الملحّة للتصدي لتوسع الجماعات الإرهابية داخل البلاد.
وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، لم يشهد الوضع الأمني تحسنًا جوهريًا، ولا تزال مساحات واسعة من الأراضي خارج سيطرة الدولة، إلا أن تراوري، الذي درس علم الجيولوجيا، بات اليوم يحمل طموحات سياسية واجتماعية أوسع، بعدما كان قد تعهد سابقًا بعدم البقاء طويلًا في السلطة.
بين السيادة والخطاب التعبوي
وقال الباحث البنيني المتخصص في شؤون الساحل وأمن غرب أفريقيا جيل يابي لـ"العين الإخبارية" إن "التعديل الوزاري في بوركينا فاسو يعكس تغير اتجاهات السلطة العسكرية من منطق إدارة أزمة أمنية إلى مشروع سياسي متكامل، يعتمد على الرمزية والخطاب السيادي لتعزيز الشرعية الداخلية في ظل إخفاقات أمنية مستمرة".
وأضاف أن "التركيز على مفاهيم مثل الحرب وبناء الوطن وخدمة الشعب يهدف إلى تعبئة المجتمع وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، كما أنه محاولة واعية لتعبئة المجتمع بما يعزز صورة السلطة العسكرية كفاعل ثوري يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس وطنية وسيادية جديدة".
وأوضح أن هذا التحول يأتي في سياق إخفاقات أمنية مستمرة، حيث لم تتمكن السلطة حتى الآن من استعادة السيطرة الكاملة على مساحات واسعة من البلاد.
رموز ثورية
من جانبه، اعتبر الخبير الغاني في الأمن الإقليمي ومنطقة الساحل كوايسي آنينغ لـ"العين الإخبارية" إن "هذه الخطوة تعكس نزعة متزايدة نحو عسكرة الخطاب السياسي في دول الساحل، حيث تسعى الأنظمة العسكرية إلى تعويض ضعف السيطرة الميدانية بتكثيف الرموز الثورية والسيادية".
وحذر آنينغ من أن "نجاح هذا التوجه يظل مرهونًا بقدرة السلطة على تحقيق تحسن فعلي في الوضع الأمني والمعيشي، وإلا فإن الخطاب وحده لن يكون كافيًا لضمان الاستقرار".
وتابع أن التعديل الوزاري في بوركينا فاسو كشف عن مرحلة جديدة في مسار الحكم العسكري، تغلب فيها الرمزية السياسية والخطاب الثوري، في محاولة لإعادة تشكيل الدولة والهوية الوطنية، وسط تحديات أمنية معقدة تشهدها منطقة الساحل الأفريقي بأكملها.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNDMg
جزيرة ام اند امز