الغموض يخيم على بوركينا فاسو.. محاولة انقلاب تهز واغادوغو
اعتبر خبراء سياسيون أن ما تشهده بوركينا فاسو من توتر أمني، عقب الحديث عن إحباط محاولة انقلاب، يعكس هشاشة المرحلة الانتقالية.
ويعتقد المراقبون أيضًا أن الأنباء عن محاولة الانقلاب تكشف مستوى تعقّد موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية.
وقال أستاذ العلوم السياسية وخبير الشؤون الأفريقية جان بيار بات لـ"العين الإخبارية" إن غياب البيان الرسمي يترك المجال مفتوحًا أمام "حرب الروايات"، معتبرًا أن "تسريب التسجيلات الصوتية مؤشر على صراع نفوذ داخلي أكثر منه انقلابًا تقليديًا".
وكانت الأجهزة الأمنية في بوركينا فاسو قد أعلنت اعتراض تسجيلات صوتية ومراسلات زعمت أنها تكشف مخططًا تقوده نخب عسكرية سابقة، بالتنسيق مع جهات خارجية انطلاقًا من دول الجوار، بهدف تصفية قادة المرحلة الانتقالية وشن هجمات منسقة لزعزعة استقرار البلاد.
ورأى بات أن ما يجري في بوركينا فاسو يعكس أعمق مظاهر هشاشة المرحلة الانتقالية، وليس مجرد حادثة عابرة في تاريخ البلد العسكري، مشيرًا إلى أن غياب البيان الرسمي من السلطات يجعل الساحة مفتوحة لكل الأطراف لتشكيل رواياتها الخاصة، ما يرفع من حدة الغموض ويزيد من تأثير الشائعات على الرأي العام المحلي والدولي.
وأكد بات أن تسريب التسجيلات الصوتية مؤخرًا لا يجب النظر إليه بالضرورة على أنه دليل على محاولة انقلاب تقليدية، بل إنه يعكس صراع نفوذ داخلي بين فصائل الجيش المختلفة، قد يكون مدفوعًا برغبة في إعادة ترتيب التوازنات داخل المؤسسة العسكرية بعد سنوات من الاضطرابات السياسية.
وأضاف أن التاريخ الحديث لبوركينا فاسو مليء بالمواجهات البينية بين العسكريين، وأن هذه التسجيلات تمثل محاولة من بعض الأطراف لإظهار قوتها ونفوذها داخل النظام، خصوصًا في غياب رقابة سياسية مستقرة وآليات واضحة للمساءلة.
ولفت جان بيار إلى أن السياق الإقليمي المضطرب، خصوصًا في منطقة الساحل، يزيد من حدة الانقسامات الداخلية ويجعل أي شائعة انقلاب قابلة للتصديق سريعًا، وهو ما يجعل تحليل الأحداث يتطلب أكثر من مجرد متابعة ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكد أن أي تقييم دقيق للأحداث يجب أن يدمج بين المراقبة الاستخباراتية المحلية، وفهم التحالفات الداخلية والخارجية داخل الجيش، إلى جانب مراقبة تأثير الضغوط الإقليمية والدولية على العملية السياسية في البلاد.
من جانبه، قال الباحث في مركز دراسات أفريقيا بجامعة لايدن بهولندا عبد الرحمن إدريسا لـ"العين الإخبارية" إن "السياق الإقليمي المضطرب في الساحل يجعل أي شائعة انقلاب قابلة للتصديق، حتى قبل التحقق من الوقائع".
ورأى أن أي حادثة تتعلق بمحاولة انقلاب محتملة في هذه المرحلة يجب فهمها ضمن شبكة معقدة من المخاطر الأمنية، وليس كموقف محلي بحت.
وأوضح إدريسا أن الوضع في الساحل الأفريقي، حيث تنتشر جماعات مسلحة وتتصاعد النزاعات العرقية والسياسية، يجعل أي شائعة انقلاب محتملة تبدو واقعية ومقنعة للسكان المحليين والجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، حتى قبل صدور أي بيان رسمي للتحقق من الوقائع.
وأشار الباحث في مركز دراسات أفريقيا بجامعة لايدن إلى أن قدرة الحكومة على التحكم بالمعلومات محدودة نسبيًا، ما يسمح للشائعات بالانتشار بسرعة والتأثير على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ولفت إلى أن اعتقال عسكريين مقربين من الكابتن إبراهيم تراوري، وإدراج أسماء مدنيين ورجال أعمال يُحتمل تورطهم، يوضح أن هناك محاولات متزامنة لاحتواء النفوذ وإعادة توزيع القوة بين الفصائل.
كما أكد الباحث السياسي أن المرحلة الحالية تتطلب مراقبة دقيقة ودعمًا من المجتمع الدولي، لضمان عدم تحول أي شائعات أو صراعات نفوذ داخلية إلى أزمة سياسية أكبر أو إلى انزلاق البلاد نحو عدم الاستقرار الكامل.
ماذا جرى في ليلة السبت إلى الأحد في بوركينا فاسو؟
ويعتقد أنصار النظام العسكري الحاكم أن "محاولة انقلاب" جرى إحباطها في اللحظات الأخيرة، غير أنه حتى الآن لم يصدر أي بيان رسمي يؤكد هذه المعلومات، بحسب إذاعة "إر.إف.إي" الفرنسية.
ومنذ الأحد، تتداول شبكات التواصل الاجتماعي تسجيلات صوتية قُدمت على أنها أدلة على وجود مخطط يستهدف قائد المرحلة الانتقالية، الكابتن إبراهيم تراوري. وبحسب مصادر متطابقة، فقد جرى توقيف عدد من العسكريين على خلفية هذه القضية.
متابعة استخباراتية مسبقة
ووفق مصادر أمنية في بوركينا فاسو، فإن القضية كانت قيد المتابعة الدقيقة من قبل أجهزة الاستخبارات منذ عدة أسابيع. وبحسب داعمين للنظام، كان من المفترض أن تنطلق العملية المزعومة خلال ليلة السبت إلى الأحد.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن "مسؤول مشغلي الطائرات من دون طيار، إلى جانب عدد من المقربين من إبراهيم تراوري، سواء من العسكريين أو المدنيين"، كانوا ضمن الأهداف التي حددها من تصفهم هذه الجهات بـ"المتآمرين المدعومين من أطراف خارجية".
الاعتقالات مستمرة
وميدانيًا، أكدت مصادر من داخل واغادوغو أن "الاعتقالات لا تزال متواصلة". وأضافت أن شخصيات معروفة في أوساط المال والأعمال "قد يرد ذكرها ضمن هذه القضية الجديدة المتعلقة بمحاولة زعزعة الاستقرار".
ورغم خطورة المعطيات المتداولة، لم تصدر حتى الآن أي توضيحات رسمية من السلطات. في المقابل، قامت حسابات موالية لتراوري على شبكات التواصل بنشر تسجيل صوتي يُسمع فيه صوتا شخصين.
وبحسب أنصار السلطة، فإن الحديث المتداول في التسجيل يعود إلى الرئيس السابق للمرحلة الانتقالية، اللفتنانت كولونيل بول هنري سانداوغو داميبا، الذي أُطيح به في سبتمبر/أيلول 2022 ويقيم حاليًا في المنفى في توغو، إضافة إلى أحد معاونيه المفترضين، الذي لم يتم التعرف على هويته.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMjE0IA== جزيرة ام اند امز