مشتقات الأفيون.. سلاح سري في آلة الحرب النازية
تكشف دراسات تاريخية حديثة عن جانب مظلم ظل طويلًا على هامش السرد التقليدي للحرب العالمية الثانية، يتمثل في الاعتماد الواسع والمنهجي
على المخدرات والمنشطات داخل الرايخ الثالث، سواء على مستوى القيادة السياسية أو في قلب المؤسسة العسكرية.
ويظهر هذا البعد، كما توثقه أبحاث معاصرة، أن المخدرات لم تكن مجرد انحراف شخصي، بل جزءًا من منظومة حكم وحرب حاولت تعويض الإرهاق البشري والانهيار المعنوي بالكيمياء، وفقا لحصيفة "ذاصن".
في قلب هذه القصة يقف أدولف هتلر نفسه، الذي نجح النظام النازي في تقديمه لسنوات بوصفه قائدًا زاهدًا منضبطًا، لا يشرب الكحول، ولا يدخن، ولا يسمح “للسموم” بدخول جسده. غير أن هذه الصورة، كما يتبين اليوم، كانت بعيدة عن الواقع.
من العلاج إلى الإدمان: رحلة هتلر الكيميائية
وبحسب ما وثّقه الكاتب والصحفي الألماني نورمان أولر في كتابه الشهير «بليتز»، بدأ اعتماد هتلر على الحقن الطبية عام 1936 تحت إشراف طبيبه الشخصي ثيو موريل. في البداية، اقتصرت هذه الحقن على فيتامينات ومحفزات عامة، ثم تطورت تدريجيًا لتشمل هرمون التستوستيرون وبعض المنشطات.

المنعطف الحاسم جاء عام 1941، عندما أصيب هتلر بمرض شديد لم تنجح معه العلاجات التقليدية. عندها وصف له موريل مزيجًا أقوى يضم هرمونات حيوانية ومادة “يوكودال”، وهي مادة أفيونية شديدة الفعالية تشبه الهيروين وتُحدث شعورًا بالنشوة.
وسرعان ما انجذب هتلر إلى تأثيرها، وتحول الاستخدام الطبي إلى اعتماد يومي، ثم إلى إدمان مكثف، حيث تشير السجلات إلى أنه كان يتلقى عدة حقن يوميًا.
ومع مرور الوقت، بدأ هتلر يخلط “يوكودال” بالكوكايين عالي النقاء، الذي وُصف له رسميًا لعلاج مشاكل في الأذن بعد انفجار قرب مخبئه على الجبهة الشرقية عام 1944، لكنه سرعان ما استخدمه لأغراض ترفيهية. كما تناول مهدئات قوية مثل الفينوباربيتال، وهي أدوية معروفة بتأثيرها السلبي على وظائف الدماغ العليا.
ويرى خبراء، من بينهم الطبيب النفسي الأمريكي ديفيد بودر، أن هذا المزيج من المواد الأفيونية والمنشطات والمهدئات أسهم في زيادة العدوانية المنظمة، والبارانويا، وتقلبات المزاج، والانفصال عن الواقع، ما انعكس على قرارات عسكرية وسياسية وُصفت لاحقًا بأنها غير عقلانية ومنفصلة عن موازين القوى.
الانهيار مع نفاد الجرعات
مع اقتراب نهاية الحرب، دُمّرت مصانع إنتاج “يوكودال” جراء غارات الحلفاء، ما أدى إلى انقطاع إمدادات هتلر. وبحلول فبراير/ شباط 1945، كان يعاني من أعراض انسحاب حادة، جسدية ونفسية.
وتوثّق مذكرات المقربين منه، وسجلات الأرشيف الفيدرالي الألماني، سلوكًا هوسيًا وتدهورًا واضحًا في إدراكه للواقع داخل مخبأ برلين. وأُرسلت فرق خاصة لتمشيط المدينة المدمّرة بحثًا عن أدوية لتخفيف حالته، دون جدوى. وبعد أسابيع، أنهى هتلر حياته، منهيًا فصلًا مأساويًا من التاريخ.
ثقافة المخدرات: من الزعيم إلى الدولة

غير أن هتلر لم يكن استثناءً. فقد انتشرت ثقافة الاعتماد على المخدرات في “كل ركن من أركان الرايخ”، كما يكتب أولر.
وفي تناقض صارخ، بينما شنّ النظام النازي منذ 1933 حملة قمع شرسة ضد متعاطي المخدرات، واصفًا إياهم بـ“المنحرفين جنائيًا”، ومودِعًا بعضهم معسكرات الاعتقال، كان في الوقت نفسه يرعى استخدامًا منظمًا للمنشطات داخل المجتمع والجيش.
في عام 1937، أطلقت شركة أدوية برلينية تُدعى “تملر” عقار “بيرفيتين”، وهو ميثامفيتامين لا يحتاج إلى وصفة طبية. سرعان ما انتشر بين المدنيين، من ربات البيوت إلى الموظفين والفنانين، بوصفه وسيلة لتعزيز النشاط والإنتاجية.
ومع اندلاع الحرب، تحوّل “بيرفيتين” إلى أداة عسكرية. فبحلول عام 1939، بدأ توزيعه على الجنود للتغلب على الإرهاق والخوف.

وقبيل غزو فرنسا، أصدرت القيادة العسكرية ما عُرف بـ“مرسوم المنشطات”، وطلبت من المصنع إنتاج كميات هائلة. وتشير الوثائق إلى تصنيع نحو 35 مليون قرص للجيش وسلاح الجو، مع توصيات بتناول جرعات يومية ونهارية إضافية.
تجارب وحشية وسلاح بلا ضوابط
ومع تعقّد الحرب وتراجع فرص النصر، لجأ النظام إلى تجارب أكثر تطرفًا. ففي معسكر اعتقال ساكسنهاوزن، أُجريت اختبارات مروّعة على السجناء، حيث أُعطوا خلطات من الكوكايين والميثامفيتامين والمواد الأفيونية، وأُجبروا على السير لمسافات طويلة وهم يحملون أوزانًا ثقيلة، في محاولة لقياس حدود التحمل البشري.
كما طوّرت البحرية الألمانية مواد منشطة، بينها علكة تحتوي على الكوكايين، لاستخدامها في مهمات انتحارية تتطلب بقاء الجنود مستيقظين لأيام متواصلة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTMg جزيرة ام اند امز