الجيش الأمريكي وأمريكا اللاتينية.. سيناريوهات الحضور العسكري
بعد نحو شهر من العملية الخاصة التي نفذتها القوات الأمريكية وأدّت إلى الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقاله في كاراكاس، لا تزال تداعيات هذا التدخل غير المسبوق تتردد في أرجاء أمريكا اللاتينية.
فقد شكّلت العملية، حسب مجلة «فورين بوليسي»، أول تدخل عسكري مباشر للولايات المتحدة في دولة بأمريكا الجنوبية منذ عقود، وأعادت إلى الواجهة مخاوف تاريخية من عودة واشنطن إلى سياسة فرض الهيمنة بالقوة في النصف الغربي من العالم.
ويرى مراقبون أن دول المنطقة تواجه واقعًا أمنيًا جديدًا، في ظل إدارة أمريكية لا تُخفي استعدادها لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية.
ويصف خبراء هذا التحول بأنه مرحلة تتجاوز التدخل الفنزويلي ذاته، لتؤسس لنمط طويل الأمد من الحضور العسكري الأمريكي المكثف في أمريكا اللاتينية.
«ملحق ترامب» لمبدأ مونرو
في واشنطن، يُنظر إلى التحركات الأخيرة بوصفها إعادة صياغة حازمة لمبدأ مونرو التاريخي، الذي ينص على اعتبار نصف الكرة الغربي مجال نفوذ أمريكي حصري.
وقد أعلن الرئيس دونالد ترامب، عقب اعتقال مادورو، أن «الهيمنة الأمريكية على النصف الغربي لن يُشكك فيها أحد مرة أخرى»، وهو تصريح وصفه مسؤولون وخبراء بأنه «ملحق ترامب لمبدأ مونرو».
وتجلّت هذه الرؤية بوضوح في استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة التي أصدرها البنتاغون، والتي أكدت التزام الولايات المتحدة بـ«الدفاع النشط والشجاع عن مصالحها في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي»، في مسعى معلن لاستعادة التفوق العسكري الأمريكي في المنطقة.
وجود عسكري متنامٍ وإشارات دائمة
لا يقتصر الوجود العسكري الأمريكي على العملية الفنزويلية، بل يمتد إلى حشد واسع في منطقة البحر الكاريبي؛ إذ لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنحو 15 ألف جندي وعشرات السفن الحربية، من بينها أكبر حاملة طائرات في العالم «يو إس إس جيرالد آر فورد». كما أعادت واشنطن فتح قواعد عسكرية كانت مغلقة في بورتوريكو، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على نوايا طويلة الأمد.
ويقول أوليفر ستوينكل، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن «جميع الأدلة تشير إلى وجود عسكري أمريكي دائم في المنطقة، على الأقل طالما بقي ترامب في السلطة»، مضيفًا أن المبررات التي قدّمتها الإدارة، من مكافحة ما تصفه بـ«إرهابيي المخدرات» إلى السيطرة على نفط فنزويلا، تُثير قلقًا بالغًا لدى صناع القرار في أمريكا اللاتينية.
قلق إقليمي وتحذيرات متبادلة
أثار الخطاب الأمريكي بعد العملية الفنزويلية موجة قلق في عواصم المنطقة، خاصة بعد توجيه ترامب تهديدات مباشرة أو ضمنية لدول مثل كولومبيا والمكسيك وكوبا. وحذّرت هافانا علنًا من أن «الخطر يخيّم على الجميع»، فيما أقرّ الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بأن بلاده تواجه «تهديدًا حقيقيًا» بعمل عسكري أمريكي، رغم كونها حليفًا تقليديًا لواشنطن.
ورغم محاولات التهدئة، بما في ذلك اللقاء المرتقب بين ترامب وبيترو في واشنطن، لا تزال حالة التوجس مسيطرة. أما في المكسيك، فقد قلّلت الرئيسة كلوديا شينباوم من احتمالات تدخل عسكري مباشر، مؤكدة تمسك بلادها بسيادتها، رغم استمرار الضغوط الأمريكية في ملف كارتلات المخدرات.
فنزويلا… النفط في صلب الحسابات
يُجمع محللون على أن العامل الاقتصادي، ولا سيما النفط، يشكّل محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه فنزويلا. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وقد سارعت واشنطن بعد الإطاحة بمادورو إلى إتمام أول صفقة لبيع النفط الفنزويلي بقيمة 500 مليون دولار.
ويرى خبراء أن الإبقاء على هذا الكم من الأصول العسكرية في الكاريبي يُستخدم كأداة ضغط لضمان استمرار تدفق النفط وترسيخ النفوذ الأمريكي على الحكومة الفنزويلية الانتقالية برئاسة ديلسي رودريغيز، التي حذّرها ترامب صراحة من عواقب عدم التعاون.
حدود القوة والتحديات المقبلة
ورغم الخطاب الأمريكي الصارم، يشكك كثير من الخبراء في احتمال توسع التدخل العسكري المباشر إلى دول كبرى مثل المكسيك أو كولومبيا.
ويقول برايان فونسيكا، مدير معهد جاك دي غوردون للسياسة العامة، إن واشنطن ستواصل استخدام الجيش «كأداة ضغط ودبلوماسية قوية»، من خلال الحشد العسكري أو الضربات المحدودة، دون الانزلاق إلى غزو بري واسع.
في المقابل، لا تزال الأسئلة قائمة داخل الولايات المتحدة نفسها بشأن أهداف هذا الوجود العسكري ومداه الزمني. فقد فشلت محاولات تشريعية لتقييد صلاحيات ترامب العسكرية، بينما أقرّ قادة عسكريون أمام الكونغرس بعدم وضوح الخطة طويلة الأمد للقوات المنتشرة في المنطقة.
مخاوف من انزلاق تدريجي
يثير بعض المشرعين الأمريكيين مخاوف من أن يؤدي إعادة فتح السفارة الأمريكية في كاراكاس إلى تورط تدريجي، قد يتحول إلى وجود عسكري واسع ومكلف.
ويحذر السيناتور آدم شيف من سيناريو «الانزلاق البطيء»، حيث تتزايد القوات لحماية الدبلوماسيين، ثم لحماية القوات نفسها، ما قد يضع الولايات المتحدة في مواجهة مع قوى محلية وخصوم دوليين مثل روسيا والصين وإيران.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTMg
جزيرة ام اند امز