بوركينا فاسو ومكافحة الإرهاب.. «72 ساعة من موبلو» تعيد ضبط البوصلة
وسط تحديات أمنية متسارعة تشهدها «الساحل الأفريقي»، ولجوء التنظيمات الإرهابية إلى سياسة إنهاك القوات النظامية واستنزافها نفسيًا وعملياتيًا، وضعت بلدان تلك المنطقة رهانها على العنصر البشري.
رهان تأمل من خلاله بلدان تلك المنطقة، أن يمثل الركيزة الأساسية لضمان الاستقرار وحماية المدنيين، من هجمات الجماعات الإرهابية، إلا أنه يظل مُعلقًا بالتماسك الداخلي للوحدات الأمنية في بوركينا فاسو، بحسب خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم.
وشهدت العاصمة واغادوغو خلال الفترة من 10 إلى 12 فبراير/شباط الجاري، تنظيم فعاليات «72 ساعة من موبلو» التي أطلقها تجمع الدرك المتنقل التابع للفيلق الثالث للدرك الوطني، بهدف تقوية الروح الجماعية ورفع مستوى الكفاءة العملياتية لعناصره.
برنامج يأتي في إطار «رؤية شاملة» ترتكز على تعزيز التضامن والصمود في مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة، لا سيما في بيئة تتسم بتعقيد التهديدات وتعددها.
فهل تحيد تلك التجربة خطر الجماعات الإرهابية؟
يقول مارك أنطوان بيروز دو مونتكلوز الباحث الفرنسي المتخصص في النزاعات المسلحة في أفريقيا والباحث في المعهد الفرنسي للبحث من أجل التنمية، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن مثل هذه المبادرات التدريبية تمثل عنصرًا محوريًا في استراتيجية مكافحة الإرهاب في الساحل، لأنها تعالج أحد أبرز مكامن الضعف التي تستغلها الجماعات المتطرفة، وهو هشاشة الأداء الميداني وضعف التنسيق بين الوحدات.
وأكد الباحث الفرنسي أن التنظيمات الإرهابية في بوركينا فاسو لا تعتمد فقط على القوة النارية، بل تراهن على إنهاك القوات النظامية واستنزافها نفسيًا وعملياتيًا.
وأشار إلى أن تعزيز التماسك الداخلي، وتحسين إدارة الضغط، ورفع كفاءة جمع المعلومات الاستخباراتية، يحد من قدرة تلك الجماعات على المناورة ويعزز سرعة الاستجابة للهجمات.
ليس هذا فحسب، بل إن بناء قوات منضبطة ومتماسكة وقريبة من السكان يسهم -أيضًا- في تجفيف مصادر الدعم المحلي للجماعات الإرهابية، ما يجعل هذه الخطوة جزءًا أساسيًا من معركة طويلة الأمد ضد الإرهاب في المنطقة، يضيف الباحث الفرنسي.

فالتجربة أثبتت خلال السنوات الماضية أن الجيوش وقوات الأمن في دول الساحل لا تعاني فقط من نقص في العتاد، بل من فجوات في التنسيق الداخلي، والضغط النفسي المتراكم على العناصر الميدانية، وضعف العلاقة مع المجتمعات المحلية، يقول بيروز دو مونتكلوز.
وأكد مونتكلوز، أن برامج مثل «72 ساعة من موبلو» تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المعركة ضد الجماعات المتطرفة ليست عسكرية بحتة، بل معركة تنظيم وانضباط وثقة متبادلة بين المؤسسة الأمنية والمواطنين.
وأضاف الباحث الفرنسي، أن أحد أبرز التحديات في بوركينا فاسو يتمثل في تعدد بؤر التوتر واتساع رقعة العمليات، ما يجعل من الضروري تطوير قدرات اتخاذ القرار السريع لدى القيادات الميدانية.
وأشار إلى أن إدراج موضوعات مثل إدارة الضغط النفسي والاستخبارات العملياتية والذكاء الاصطناعي ضمن البرنامج التدريبي يعكس محاولة لمواءمة الأداء الأمني مع طبيعة التهديدات الحديثة، خاصة وأن الجماعات المسلحة باتت تستخدم بدورها أدوات تكنولوجية ووسائل اتصال متطورة.
ووفقاً للخبير المتخصص في أمن الساحل الأفريقي، فإن الاستثمار في العنصر البشري يظل أكثر استدامة من الاعتماد الحصري على الدعم الخارجي أو المعدات العسكرية الثقيلة.
وشهدت العاصمة واغادوغو خلال الفترة من 10 إلى 12 فبراير/شباط 2026 تنظيم فعاليات «72 ساعة من موبلو» التي أطلقها تجمع الدرك المتنقل التابع للفيلق الثالث للدرك الوطني، بهدف تقوية الروح الجماعية ورفع مستوى الكفاءة العملياتية لعناصره.
رؤية شاملة
يأتي هذا البرنامج في إطار رؤية شاملة ترتكز على تعزيز التضامن والصمود في مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة، لا سيما في بيئة تتسم بتعقيد التهديدات وتعددها.
وأكد رئيس السرب أحمد إسياكا درابو، قائد تجمع الدرك المتنقل في واغادوغو والمشرف على تنظيم الدورة، أن الأمن لا يعتمد فقط على الوسائل والإجراءات، بل يرتكز بالدرجة الأولى على رجال ونساء مدرَّبين ومتماسكين وملتزمين بمهامهم.
وأضاف أن الاستثمار في تطوير مهارات الأفراد وتعزيز انسجامهم الداخلي يمثل استثمارًا مباشرًا في حماية المواطنين، خاصة أن هذه الوحدات تتدخل يوميًا في أوضاع حساسة ومعقدة وعلى تماس مباشر مع السكان.
وخلال الأيام الثلاثة، استفاد المشاركون من محاضرات وورش عمل قدمها خبراء متخصصون تناولت موضوعات متنوعة تتماشى مع واقع الميدان، من بينها إدارة الضغط النفسي، التنسيق بين الجوانب العملياتية وأعمال الشرطة القضائية، الإدارة المالية، المخاطر المهنية، السلامة المرورية، الذكاء الاصطناعي، الاستخبارات العملياتية، وتقييم المخاطر.
واختتمت الفعاليات بيوم مخصص لتعزيز التماسك الداخلي، تضمن مراسم رمزية للتكريم والإشادة بالعناصر التي تميزت بتفانيها في خدمة الوطن. وقد ترأس الحفل العقيد عيسى ياغيبو، نائب رئيس أركان الدرك الوطني، بحضور قيادات عسكرية وأمنية وممثلين عن مختلف التشكيلات، إلى جانب ضباط وضباط صف وأفراد الدرك.
إعادة بناء الثقة
من جانبه، قال ويليام أسانفو ، الباحث الإيفواري المتخصص في قضايا الساحل في معهد الدراسات الأمنية في داكار، لـ«العين الإخبارية»، إن ما تقوم به قيادة الدرك في بوركينا فاسو ينسجم مع التوصيات التي طالما دعت إلى إعادة بناء الثقة بين قوات الأمن والسكان المحليين.
وأوضح أن الجماعات المتطرفة تستغل غالبًا هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمعات الريفية، مشيرًا إلى أن أي برنامج يعزز الانضباط المهني واحترام الحقوق ويحسن سلوك القوات في الميدان يمكن أن يسهم في تقليص بيئة التجنيد التي تعتمد عليها تلك الجماعات.
ورأى أسانفو أن تعزيز التماسك الداخلي ليس مجرد نشاط رمزي، بل هو عنصر عملياتي حاسم، لأن الوحدات التي تتمتع بروح جماعية قوية تكون أكثر قدرة على الصمود في البيئات القتالية غير المتناظرة التي تميز منطقة الساحل.
وأشار إلى أن تخصيص يوم للتكريم والاعتراف بالجهود يعزز المعنويات ويقلل من مخاطر الإحباط والتفكك داخل الصفوف، وهي عوامل غالبًا ما تؤثر سلبًا على أداء القوات في مناطق النزاع الممتد.
ولفت الباحث السياسي إلى أن مبادرة الدرك المتنقل في بوركينا فاسو تعكس تحولًا من مقاربة رد الفعل إلى مقاربة استباقية قائمة على بناء القدرات البشرية والمؤسسية.
فبينما تظل التحديات الأمنية في الساحل معقدة ومتشابكة، فإن تطوير الكفاءة المهنية، وتعزيز الانضباط، وترسيخ العلاقة مع المجتمع، تمثل جميعها ركائز ضرورية لأي استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق الاستقرار ومواجهة الإرهاب بفعالية في المنطقة.