لم يعد الشاب الصيني يدخل متجرًا ليسأل: "هل أحتاج هذا المنتج؟" بل يسأل نفسه بهدوء: "كيف سيجعلني أشعر؟".
هذا التحول البسيط في صياغة السؤال يلخص مرحلة اقتصادية جديدة تعيشها الصين اليوم، تُعرف باسم "اقتصاد المشاعر"؛ سوق تُقدَّر قيمته المتوقعة بأكثر من 4.5 تريليونات يوان (نحو 651 مليار دولار أمريكي) خلال السنوات المقبلة.
قد يبدو المصطلح أقرب إلى لغة الإعلان، لكنه في جوهره يعكس تحوّلًا عميقًا في سلوك المستهلك وبنية السوق.
لفهم هذه النقلة، علينا العودة إلى المسار التنموي للصين خلال العقود الماضية. المرحلة الأولى من النمو ركزت على توسيع الإنتاج، ورفع الكفاءة، وخفض التكاليف. كان النجاح يُقاس بقدرة المصانع على الإنتاج الأسرع والأرخص والأوسع انتشارًا. ومع تحسّن مستويات الدخل، وتطور البنية التحتية، واتساع الطبقة الوسطى، جرى إشباع معظم الاحتياجات الأساسية. وعندما تُحلّ معضلة "الوظيفة"، يبدأ البحث عن "المعنى".
اليوم، لم تعد المنافسة في السوق الصيني تقوم على المواصفات التقنية وحدها. في قطاعات مثل القهوة، ومستحضرات التجميل، والسياحة، والمنتجات الثقافية، تقلّصت الفروق الوظيفية بين العلامات التجارية. الفارق الحقيقي أصبح في القدرة على صناعة تجربة. شركة مثل POP MART لا تبيع دمى صغيرة فحسب، بل تبيع إحساسًا بالانتماء والهوية والرفقة. القيمة لم تعد في المادة وحدها، بل في العلاقة النفسية التي تنشأ بين المنتج والمستهلك.
هذا التحول مرتبط أيضًا بتغيرات اجتماعية أعمق. المدن الكبرى تشهد ارتفاعًا في معدلات السكن الفردي، وضغط العمل أصبح جزءًا من الحياة اليومية، فيما تحول الفضاء الرقمي إلى مساحة التعبير الأساسية. في هذا السياق، يصبح الاستهلاك أداة توازن نفسي. زيارة معرض تفاعلي، أو حضور فعالية ثقافية مؤقتة، أو حتى اقتناء منتج بطابع عاطفي، قد يكون محاولة صغيرة لاستعادة التوازن الداخلي. الاقتصاد هنا لا ينتج سلعًا فقط، بل يصنع "لحظات".
ومع ذلك، لا يعني "اقتصاد المشاعر" التخلي عن العقلانية. المستهلك الصيني لا يزال شديد الدقة في تقييم الجودة والسعر. قراره الشرائي بات أكثر تركيبًا: المنتج يجب أن يكون جيدًا، لكن عليه أيضًا أن يمنحه شعورًا إضافيًا. المشاعر تضيف قيمة، لكنها لا تعوّض غياب الأساس. ولهذا اختفت سريعًا مشاريع اعتمدت على التغليف العاطفي دون مضمون حقيقي.
التجربة الصينية توضح أن الانتقال من "اقتصاد الوظيفة" إلى "اقتصاد الإحساس" يحدث تدريجيًا مع نضوج السوق. عندما يبلغ المجتمع مستوى معينًا من الاستقرار المادي، تتحول الأولوية إلى تحسين جودة الحياة النفسية. عندها تبرز أهمية الصناعات الثقافية، والمساحات العامة المصممة بعناية، والتجارب التي تمزج بين الهوية المحلية والتقنيات الحديثة.
كما تمنح هذه الظاهرة مفتاحًا لفهم المستهلك الصيني اليوم. من يرغب في مخاطبة هذا السوق — في السياحة أو الثقافة أو السلع — لا يكفيه أن يعرض أرقامًا تنافسية. الأرقام مهمة، لكن القصة أهم. الصورة مؤثرة، لكن التجربة الحية أعمق أثرًا. المستهلك يريد أن يشعر بأنه جزء من حكاية، لا مجرد رقم في كشف حساب.
في النهاية، "اقتصاد المشاعر" ليس موجة عابرة، بل انعكاس لمرحلة تنموية جديدة. إنه تعبير عن مجتمع تجاوز هاجس الوفرة المادية، وبدأ يبحث عن توازن داخلي ومعنى شخصي. وهذه ليست خصوصية صينية خالصة، بل مسار قد يتكرر في أي اقتصاد يصل إلى مرحلة من النضج والاستقرار.
قراءة الصين من هذه الزاوية تكشف جانبًا إنسانيًا خلف الأرقام والمؤشرات. فليست الصين مجرد قوة صناعية أو شريك تجاري ضخم، بل مجتمع يعيش تحولات نفسية وثقافية عميقة. وحين نفهم الإنسان قبل السوق، تصبح قراءتنا للتجربة أكثر عمقًا، وأكثر فائدة لمستقبل المنطقة العربية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة