الصين في عصر نهاية الأسرار العسكرية.. تسامح رسمي للتأقلم مع المستحيل
لم تعد أسرار الجيوش حكرًا على أجهزة الاستخبارات، بعدما أحدثت ثورة المعلومات تحولًا جذريًا في أساليب جمع وتحليل البيانات العسكرية، بحيث أصبح من المستحيل إقامة جدار للحماية، لكن الأمر لا يخلو أيضا من تسامح رسمي مدروس.
فصور الأقمار الصناعية التجارية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمصادر المفتوحة باتت توفر كما هائلًا من المعلومات التي كانت حتى وقت قريب محصورة داخل المؤسسات الأمنية.
ووفقًا لمجلة "فورين بوليسي"، أصبح الجيش الصيني أبرز مثال على هذا التحول، إذ بات الباحثون يمتلكون تفاصيل دقيقة عن كثير من برامجه التسليحية، بل إن المعلومات المتوافرة عن مقاتلات الجيل القادم الصينية تفوق أحيانًا ما هو معروف عن نظيراتها الأمريكية.
وقد أعاد اختبار الصين صاروخًا باليستيًا يُطلق من غواصة تسليط الضوء على هذه الظاهرة، بعدما انشغل محللو الاستخبارات مفتوحة المصدر بتحديد ما إذا كان الصاروخ من طراز «جيه إل-2» أم «جيه إل-3».
ويعكس هذا الجدل حجم البيانات التقنية التي أصبحت متاحة حول جيش التحرير الشعبي الصيني، مقارنة بما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة، حين كانت متابعة الجيش السوفياتي تعتمد على عمليات تجسس معقدة ومعلومات محدودة.
وقد أسهم انتشار الإنترنت في ظهور مجتمع عالمي من الباحثين والمحللين المستقلين، الذين يعتمدون على تحليل الصور ومقاطع الفيديو والوثائق المنشورة عبر الشبكة لرصد التطورات العسكرية الصينية.
وأصبحت بكين نفسها مصدرًا مهمًا لهذه المعلومات، سواء عبر العروض العسكرية الرسمية أو مقاطع الفيديو التي تنشرها مؤسساتها العسكرية، والتي تخضع لتحليل دقيق قد يكشف مواقع القواعد أو أماكن اختبار الأسلحة الجديدة من خلال تفاصيل تبدو هامشية في خلفية الصورة.
كما لعب مستخدمو الإنترنت داخل الصين دورًا غير مباشر في كشف كثير من الأسرار العسكرية، رغم القيود التي يفرضها "جدار الحماية العظيم".
فقد التقط ركاب طائرات مدنية صورًا لأحواض بناء السفن التابعة للبحرية الصينية، ما أتاح للمحللين متابعة تطور حاملات الطائرات، بل والاستنتاج أن الحاملة المقبلة قد تعمل بالطاقة النووية بعد رصد فتحات داخل هيكلها تشبه حجرات المفاعلات النووية.
وفي واقعة أخرى، وثق أحد السائقين بكاميرا سيارته ظهور مقاتلة صينية جديدة أثناء هبوطها في مطار عسكري، لتنتشر الصور سريعًا عبر الإنترنت.
ونتيجة لذلك، أصبحت تفاصيل برنامج الصين لتطوير مقاتلات الجيل السادس أوضح من المعلومات المتاحة عن مشروع المقاتلة الأمريكية «إف-47»، الذي لا يزال يحيط به قدر كبير من السرية.
ويرى محللون أن استمرار تداول هذه الصور لا يعود فقط إلى صعوبة فرض رقابة كاملة، وإنما قد يعكس أيضًا قدرًا من التسامح الرسمي، نظرًا لما تحققه هذه التسريبات من مكاسب دعائية تعزز صورة التقدم العسكري الصيني.
ومع ذلك، يحرص كثير من المستخدمين على إخفاء الأرقام التسلسلية للطائرات أو طمس أي تفاصيل قد تُعد حساسة قبل نشر الصور.
وفرة المعلومات لا تكشف النوايا.. التحدي الحقيقي أمام المحللين
إلى جانب الصور المتداولة، أصبحت الأقمار الصناعية التجارية أداة رئيسية في متابعة التوسع العسكري الصيني، بعدما أتاحت صورًا عالية الدقة لرصد بناء حاملات الطائرات، وصوامع الصواريخ، والقواعد العسكرية الجديدة.
ولم تعد هذه القدرات مقتصرة على الحكومات، بل أصبحت متاحة أيضًا لمراكز الأبحاث والباحثين المستقلين، الأمر الذي وسّع دائرة المتابعين للشأن العسكري الصيني.
ورغم هذا التدفق غير المسبوق للمعلومات، يبقى التحدي الأكبر في فهم نوايا بكين، وليس مجرد معرفة قدراتها. فالمحللون يستطيعون تقدير أعداد السفن والطائرات والصواريخ، لكنهم لا يستطيعون الجزم بكيفية استخدام هذه القوة أو توقيت توظيفها.
وأظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أن امتلاك معلومات دقيقة عن القدرات العسكرية لا يعني القدرة على التنبؤ بالقرارات السياسية.
فعلى الرغم من التحذيرات الاستخباراتية الأمريكية قبل الغزو الروسي، شكك كثيرون في احتمال اندلاع الحرب، وهو ما يؤكد أن النوايا السياسية أكثر تعقيدًا من مجرد قراءة المؤشرات العسكرية.
وينطبق الأمر ذاته على الصين، إذ تكشف صور الأقمار الصناعية عن توسع ترسانتها الصاروخية، وتطوير وسائل الإنزال البرمائي، وبناء سفن دعم ضخمة قد تُستخدم في أي عملية محتملة ضد تايوان.
كما أن أي تحرك عسكري واسع سيستلزم استعدادات يصعب إخفاؤها في عصر الأقمار الصناعية والهواتف الذكية، إلا أن هذه المؤشرات لا تجيب عن السؤال الأهم: هل تنوي بكين استخدام هذه القدرات فعلًا؟
ويرى خبراء أن طبيعة التحديث العسكري الصيني توحي بطموحات تتجاوز مجرد الاستعداد لسيناريو تايوان، إذ تستثمر بكين في حاملات طائرات، وقاذفات بعيدة المدى، وسفن إنزال وإمداد تمنحها قدرة متزايدة على العمل في مناطق بعيدة عن سواحلها، بما يعكس سعيها إلى توسيع نفوذها العسكري عالميًا. ومع ذلك، تبقى هذه الاستنتاجات مبنية على تحليل القدرات أكثر من كونها دليلًا قاطعًا على النوايا.
وفي ظل هذا الغموض، يؤكد الباحثون أن زيادة الشفافية بشأن الاستراتيجية العسكرية الصينية ستسهم في تقليص مساحة التكهنات وسوء الفهم، فكلما ازدادت المعلومات الرسمية، تراجعت الشائعات، وأصبح تقييم التحركات العسكرية أكثر دقة وموضوعية.