عيون الجيش الأمريكي في طبقة الستراتوسفير.. والصين الهدف
لم تعد المناطيد عالية الارتفاع مجرد أدوات للأرصاد الجوية أو منصات تجريبية، بل تتحول تدريجيًا إلى أحد أهم مكونات الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في ظل احتدام المنافسة مع الصين، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويعكس تعاقد الجيش الأمريكي الجديد توجهًا واضحًا نحو بناء منظومة مراقبة واستطلاع دائمة تعتمد على مناطيد الستراتوسفير، ما يمنح القوات الأمريكية قدرة مستمرة على جمع المعلومات الاستخباراتية ومراقبة التحركات العسكرية عبر مساحات شاسعة وبتكلفة أقل من كثير من المنصات التقليدية.
أسطول من المناطيد الذكية
ووفقًا لإعلان صادر عن وكالة التعاقدات في الجيش الأمريكي، تسعى المؤسسة العسكرية إلى شراء 15 منطادا عالي الارتفاع، سواء كانت جاهزة تجاريًا أو معدلة لتلبية المتطلبات العسكرية، إلى جانب مجموعة متطورة من أجهزة الاستشعار وأنظمة الاتصالات المرتبطة بشبكة "ستارلينك".

ولا تزال الصفقة في مرحلة دراسة السوق تمهيدًا لطرح منافسة رسمية، على أن تُسلم المعدات إلى مواقع تابعة للقيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ، وفي مقدمتها ولاية هاواي.
وتنقسم المناطيد المطلوبة إلى ثلاثة أحجام مختلفة، بواقع خمس وحدات من كل فئة، ويعتمد تصنيفها على عدد القطاعات المكونة لهيكل البالون، وهي 12 و16 و24 قطاعًا. ويتيح الحجم الأكبر حمل معدات أكثر والتحليق على ارتفاعات أعلى، إذ تشير الوثائق إلى أن أقصى ارتفاع له قد يصل إلى ما بين 90 و120 ألف قدم، بينما لم تحدد الوثيقة مستويات الأداء الدقيقة للفئات الأصغر.
منصات استخباراتية متعددة المهام

ولا يقتصر المشروع على شراء المناطيد وحدها، بل يشمل تجهيزها بحزمة متكاملة من تقنيات الاستشعار والمراقبة. فقد طلب الجيش الأمريكي أنظمة تصوير كهروضوئية وأخرى تعمل بالأشعة تحت الحمراء بدقة تصل إلى كيه4، مع أنظمة تثبيت متطورة تضمن جودة الصورة أثناء التحليق، إضافة إلى إمكانات البث الفوري عبر شبكة "ستارلينك" وشبكات الاتصالات العسكرية والمدنية.
كما تضم القائمة أجهزة استشعار حرارية طويلة الموجة قادرة على رصد الفروق الدقيقة في درجات الحرارة، فضلًا عن أنظمة متقدمة لاستخبارات الإشارات يمكنها مراقبة الترددات الراديوية والانبعاثات الكهرومغناطيسية والاتصالات الجوية، مع تزويدها بحماية ضد التشويش والتداخل الكهرومغناطيسي، بما يسمح لها بالعمل بكفاءة في البيئات العملياتية المعقدة وعلى ارتفاعات شاهقة.
ولضمان استمرار الاتصال مع مراكز القيادة، تتضمن الصفقة أيضًا 15 وحدة خاصة بحمل المعدات، مزود جزء منها براديو "إم بي يو-5" إلى جانب اتصال مباشر عبر "ستارلينك"، في مؤشر إضافي على توسع الاعتماد العسكري على الشبكات الفضائية التجارية ونظيرتها الحكومية "ستارشيلد".
من التجارب إلى العقيدة العسكرية
يعكس هذا المشروع تتويجًا لسنوات من الاختبارات التي أجراها الجيش الأمريكي على المناطيد عالية الارتفاع. ففي مناورات "فاليانت شيلد 24" استخدمت هذه المنصات لتوفير بيانات الاستهداف خلال إطلاق "صواريخ التصويت الدقيق" ضد أهداف بحرية متحركة، حيث لعبت أجهزة الاستشعار المحمولة على المناطيد دورًا رئيسيًا في ربط المعلومات الاستخباراتية بمنظومات النيران عبر مسافات بعيدة.
وقبل ذلك، أطلقت قيادة الاتصالات والإلكترونيات برنامج "منصة الاستشعار العميق عالية الارتفاع" ضمن مشروع أكبر يعرف باسم "هيليوس"، يهدف إلى إنشاء منظومة استطلاع بعيدة المدى تعتمد على التحليق المستمر في طبقة الستراتوسفير.

كما أعلن الجيش سابقًا عزمه إطلاق ما يصل إلى 100 بالون خلال تدريبات مستقبلية لاختبار قدرة هذه المنصات على توفير وجود دائم ومنخفض التكلفة مقارنة بالأقمار الاصطناعية والطائرات المأهولة.
تدريب متخصص وشركات تتنافس على التكنولوجيا
ومع انتقال المشروع من مرحلة الاختبار إلى التطبيق، أنشأ الجيش الأمريكي في قاعدة لويس-ماكورد بولاية واشنطن مدرسة متخصصة لتأهيل عناصره على تشغيل المناطيد عالية الارتفاع ضمن برنامج "العمليات الأساسية للارتفاعات العالية".
واستقطبت الدورات التدريبية أفرادًا من القوات الخاصة ووحدات الأرصاد الجوية وعددًا من المؤسسات المدنية، في خطوة تؤكد أن هذه التكنولوجيا أصبحت جزءًا من التخطيط العسكري طويل المدى.
وتستخدم التدريبات مناطيد تنتجها شركة "أوربان سكاي"، القادرة على حمل نحو 50 رطلًا من المعدات إلى ارتفاع يصل إلى 70 ألف قدم، مع إمكانية نشرها خلال دقائق بواسطة فرق صغيرة.

كما توفر الشركة حمولات متكاملة تجمع بين التصوير الكهروضوئي، والرصد الحراري، واستخبارات الإشارات، وأنظمة الاتصالات، وهي مواصفات تتطابق إلى حد كبير مع متطلبات الجيش الأمريكي. وإلى جانبها، تتنافس شركات مثل "أيرو ستار" و"سييرا نيفادا كوربوريشن" لتقديم حلول مشابهة في مجالات الاستطلاع والحرب الإلكترونية ونقل البيانات.
الصين تدفع واشنطن لتسريع الخطوات
يأتي هذا التوسع في وقت تراقب فيه واشنطن بقلق التطور السريع للقدرات الصينية في مجال المنصات الأخف من الهواء. فقد استخدمت بكين المناطيد عالية الارتفاع لجمع المعلومات الاستخباراتية فوق مناطق مختلفة، كما طورت تقنيات لإطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة من منصات تحلق في طبقة الستراتوسفير.
وزاد حادث البالون الصيني الذي عبر الأجواء الأمريكية والكندية عام 2023 من إدراك المؤسسات الدفاعية الأمريكية لأهمية هذا المجال، بعدما أثبت أن الطبقات العليا من الغلاف الجوي أصبحت ساحة جديدة للمنافسة الاستخباراتية والعسكرية.

ورغم أن الجيش الأمريكي لم يعلن حتى الآن عن نشر أسطول عملياتي واسع من هذه المناطيد، فإن المؤشرات الحالية تؤكد أن المشروع تجاوز مرحلة التجارب.
فإلى جانب المناطيد، تعمل وزارة الدفاع على تطوير منظومة استطلاع متكاملة تضم طائرات "هاديس" ومنصات مسيّرة شراعية قادرة على التحليق في الستراتوسفير، فضلًا عن دراسة استخدام المنصات الأخف من الهواء لإطلاق ذخائر انتحارية عند الحاجة.
وتشير هذه الخطوات إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية تنظر إلى طبقة الستراتوسفير باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الحروب المستقبلية، حيث توفر مراقبة مستمرة، واتصالات مستقرة، وقدرات استخباراتية بعيدة المدى، بما يمنح القوات الأمريكية "عيونًا لا تنام" في مواجهة خصوم يمتلكون قدرات متطورة، وفي مقدمتهم الصين.