القطب الشمالي في قلب المعركة.. سباق عالمي للسيطرة على الممرات البحرية
أصبحت مياه القطب الشمالي، التي كانت تعتبر في السابق عصيّة على الاختراق، ساحة جديدة للتنافس على السيطرة البحرية بين السفن العسكرية والبحرية، حيث أثار تزايد نشاط سفن خفر السواحل والبحرية الصينية والروسية في الأشهر الأخيرة قلقًا في الولايات المتحدة.
ويُمكن للممر الشمالي الغربي، وهو ممر بحري يمتد شمال كندا ويربط المحيط المتجمد الشمالي بشمال المحيط الأطلسي، أن يوفر نحو 4500 ميل بحري من وقت العبور.
ويُمكن لهذا أن يُقلّص رحلة السفينة من الشرق الأقصى إلى أوروبا، ومن روسيا إلى أوروبا، إلى النصف، ما يوفر الوقت والمال المُخصصين للوقود، بحسب شبكة "سي إن بي سي".
سيطرة روسية صينية
وقد ساهمت درجات الحرارة الأكثر دفئًا في تمديد موسم الإبحار للسفن التي تعبر هذا الممر المائي، حيث شقّت كاسحات الجليد القطبية مسارات عبر الجليد المتجمد، فيما تسيطر كاسحات الجليد الروسية والصينية على المنطقة.

وفي عام 2025، عبرت أكثر من 1800 سفينة الممر المائي القطبي الشمالي، بزيادة قدرها 40% مقارنةً بعام 2013.
وفي العام نفسه، أنجزت الصين 14 رحلة، من بينها سفينة حاويات تابعة لشركة "كوسكو"، لتكون بذلك من أوائل سفن الحاويات التي تعبر هذا الممر المائي.

وقال المدير ورئيس قسم الاستراتيجية والأمن الفيدرالي في مجموعة "تشيرتوف"، آرون روث: "من الناحية الاقتصادية والتجارية، من المنطقي أن يهتم الشاحنون بالتطورات في تلك المنطقة لتوفير الوقت".
وتمتلك روسيا أسطولًا يضم 45 كاسحة جليد في المنطقة القطبية، من بينها ثماني سفن تعمل بالطاقة النووية.

أما الصين، فتمتلك ثلاث كاسحات جليد، مع تقارير تفيد بأن كاسحة جليد قطبية تعمل بالطاقة النووية قيد الإنشاء. في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة حاليًا ثلاث كاسحات جليد، إحداها يبلغ عمرها 50 عامًا.
وقال الرئيس السابق للجنة البحرية الفيدرالية والشريك في شركة "ثورن ران بارتنرز" للاستشارات، لو سولا: "إن السبب الرئيسي لتأخرنا – الولايات المتحدة – في سباق الوصول إلى القطب الشمالي أو في بناء كاسحات الجليد هو تمويل خفر السواحل الأمريكي".

وأضاف: "يعاني خفر السواحل من مشاكل صيانة متكررة، ويسعى جاهدًا للحصول على الإمدادات اللازمة. وقد اضطروا إلى تفكيك سفينة واستخدام أجزائها في أخرى لتوفير سفينة عاملة. ونتيجة لذلك، تأثرت صناعة بناء السفن بشكل عام، وخاصة كاسحات الجليد".
وقد زاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تركيزه على مبادرات بناء السفن المحلية، بما في ذلك كاسحات الجليد القطبية.

لكن ترامب ليس الوحيد الذي يُبدي قلقه بشأن النشاط في القطب الشمالي، إذ أشار قائد حلف "الناتو" في أوروبا إلى تزايد النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي باعتباره تهديدًا.
ويقول مسؤولون بحريون إن تزايد النشاط في القطب الشمالي يُمثل قضية أمن قومي، مؤكدين أن الولايات المتحدة تُعد دولة قطبية.

وقال روث: "ستوفر سفن الأمن القطبية التي يبنيها خفر السواحل السيادة وحرية الملاحة والقدرات والإمكانات في تلك المنطقة التي نفتقر إليها حاليًا".
وأضاف: "بالتأكيد لا نريدها أن تكتسب أي امتيازات في مواقع أقصى الشمال".
وتتداخل هذه المخاوف مع طموحات ترامب الأخرى في مجال الأمن القومي، ففي أوائل عام 2026، أعلن ترامب رغبته في ضم غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ولتجنب استحواذ روسيا أو الصين عليها، وفق تقرير سابق لـ"بي بي سي".

ويمر مسارا الملاحة القطبية اللذان يمكن للسفن سلوكهما بالقرب من غرينلاند.
ويربط الممر الشمالي الغربي بين المحيطين الأطلسي والهادئ عبر القطب الشمالي الكندي وصولًا إلى بحر بافن، ما يُقرّب السفن من غرينلاند، ثم إلى جنوبها في شمال المحيط الأطلسي وصولًا إلى المملكة المتحدة.
أما الممر الشمالي الشرقي، فيربط أوروبا وآسيا على طول السواحل الشمالية لروسيا، ويمر هذا المسار أيضًا بالقرب من غرينلاند.

وقال روث، ضمن تصريحاته لشبكة "سي إن بي سي": "أعتقد أنه من مصلحتنا على المدى البعيد ضمان استمرار علاقتنا القوية مع الكنديين وغرينلاند والدنمارك وشمال أوروبا، حتى نتمكن من حماية مصالحنا في تلك المنطقة أيضًا".
كيف يخطط ترامب لإعادة بناء السفن؟
أعلن الرئيس ترامب عن مبادرة بناء السفن لعام 2025، التي تستهدف السفن التجارية وكاسحات الجليد القطبية.
كما أصدر أمرًا تنفيذيًا ثانيًا، هو "خطة العمل البحرية"، عزز فيه طموحات الإدارة لتنشيط صناعة النقل البحري الأمريكية، وزيادة طاقتها الإنتاجية، ومواجهة الهيمنة الصينية.

وتم تخصيص ما يقارب 30 مليار دولار لهذا الغرض، سيتم من خلالها بناء 11 سفينة جديدة لتأمين القطب الشمالي.
كما أن كاسحات الجليد متوسطة الحجم، التي تُسهّل الوصول إلى الممرات المائية في البحيرات العظمى وعلى طول المياه الساحلية لشمال شرق ووسط المحيط الأطلسي في الولايات المتحدة، من ولاية مين إلى ولاية فرجينيا، بما في ذلك خليج تشيسابيك وخليج ديلاوير خلال فصل الشتاء، قد وصلت إلى نهاية عمرها الافتراضي.
وأعلن خفر السواحل الأمريكي مؤخرًا عن برنامج جديد لاقتناء 11 كاسحة جليد متوسطة الحجم.

وإحدى الشركات التي تُسهم في بناء بعض هذه السفن هي شركة "ديفي ديفنس" الكندية، التي استحوذت على أصول بناء السفن التابعة لشركة "جلف كوبر" في تكساس في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وتُعد الشركة الأمريكية الجديدة واحدة من أربع شركات فائزة بعقود بناء السفن الأخيرة، كما تُشارك في برنامج بناء السفن كلٌ من شركة "بولينجر" لبناء السفن، ومقرها لويزيانا، وشركة "راوما مارين كونستركشنز" الفنلندية، وشركة "أكير أركتيك تكنولوجيز".
وستقوم شركة "ديفي ديفنس جلف كوبر" ببناء خمس كاسحات جليد قطبية للولايات المتحدة، بحسب "سي إن بي سي".
وسيتم بناء أول سفينتين في فنلندا، بينما تُنفق الشركة ما بين 700 مليون ومليار دولار أمريكي لتجديد أحواض بناء السفن في موانئ جالفستون وبورت آرثر بولاية تكساس، وهي أحواض تعمل منذ الحرب العالمية الثانية، حيث كانت تُستخدم لبناء السفن.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة "ديفي ديفنس" و"جلف كوبر"، كاي سكفارلا: "البنية التحتية نفسها مُتهالكة نوعًا ما".
وتشمل التحسينات المخطط لها للمرافق والبنية التحتية المادية آلات القطع واللحام الآلية لزيادة الكفاءة، بالإضافة إلى جهود لدعم إنتاجية القوى العاملة المستقبلية وتصنيع منتجات تنافسية من حيث التكلفة، ومن المتوقع أن تستغرق عملية التجديد نحو عامين.