دبلوماسية «كاسحات الجليد».. ورقة كندا في مواجهة طموحات ترامب القطبية
في ظل سباق متسارع للهيمنة على القطب الشمالي، حيث تتزايد الأهمية الجيوسياسية للممرات البحرية والموارد الطبيعية مع انحسار الجليد، تواجه الولايات المتحدة مفارقة استراتيجية غير مألوفة.
فعلى الرغم من كونها قوة عظمى تجد نفسها متأخرة تقنيًا ومحدودة الحضور في واحدة من أكثر ساحات التنافس الدولي حساسية.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز كندا بوصفها لاعبًا يمتلك ورقة نادرة قد تمنحها نفوذًا دبلوماسيًا غير مسبوق في مواجهة طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القطبية، تتمثل في خبرتها المتقدمة في تصميم وبناء كاسحات الجليد، وفقا لصحيفة التليغراف.
وتعاني واشنطن من فجوة واضحة في قدراتها القطبية مقارنة بمنافسيها، فبينما تمتلك روسيا أسطولًا يضم نحو 40 كاسحة جليد، من بينها ثماني سفن تعمل بالطاقة النووية، وتواصل الصين تعزيز حضورها بعد إعلان نفسها «دولة شبه قطبية»، لا تمتلك الولايات المتحدة سوى ثلاث كاسحات جليد عاملة.
أقدم هذه السفن، «بولار ستار»، دخلت الخدمة عام 1976، وتم تمديد عمرها التشغيلي لعقود رغم أعطال متكررة وحرائق سابقة، في حين تقترب السفينتان الأخريان من نهاية عمرهما الافتراضي.
وقد وصف مسؤولون عسكريون أمريكيون هذا الوضع بأنه «مزرٍ»، محذرين من أن واشنطن بحاجة إلى ما بين ثماني وتسع كاسحات جليد حديثة للحفاظ على موطئ قدمها في المنطقة.

ولا يقتصر هذا القصور على البعد التقني، بل يحمل أبعادًا استراتيجية أعمق، إذ بات القطب الشمالي ساحة مفتوحة لتنافس القوى الكبرى.
ويشير الأدميرال أندرو سوغيموتو إلى أن «الوجود في هذه المنطقة مسألة سيادية بالغة الأهمية»، مستشهدًا بخطوات روسية رمزية، مثل زرع علمها في قاع الجرف القاري القطبي، لتأكيد مطالبها الإقليمية.
في هذا السياق، تكتسب اتفاقية «آيس باكت» التي أبرمتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن عام 2024 مع كندا وفنلندا أهمية محورية.
وتنص الاتفاقية على الاستفادة من الخبرات الكندية والفنلندية العريقة في بناء ست كاسحات جليد قطبية أمريكية جديدة، بقدرات تشغيلية متقدمة تسمح لها بالعمل لشهرين متواصلين واختراق طبقات جليدية سميكة.
ورغم الخطاب العدائي المتكرر لإدارة ترامب تجاه أوتاوا، لا سيما تهديداته بفرض تعريفات جمركية قاسية أو تلميحاته السابقة بضم كندا، فإن إدارته الحالية تحرص على إبقاء الاتفاقية قائمة، إدراكًا منها لكونها شريان حياة للطموحات الأمريكية في الشمال المتجمد.
هنا تتجلى ملامح ما يصفه خبراء بـ«دبلوماسية كاسحات الجليد». فحاجة الولايات المتحدة الماسة للخبرة الكندية تجعل قدرتها على التصعيد السياسي محدودة، إذ باتت، وفق تعبير مسؤولين عسكريين سابقين، «تحت رحمة حلفائها» في حال تعرّض أسطولها المتواضع لأي خلل.
هذا الاعتماد المتبادل يضع كندا أمام معادلة دقيقة: هل تستخدم تفوقها التقني كورقة ضغط في ملفات خلافية أوسع، أم تفضّل الحفاظ على التعاون باعتباره مكسبًا اقتصاديًا واستراتيجيًا مشتركًا؟
ترى هيذر كونلي، المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية، أن اتفاقية «آيس باكت» تمثل «مكسبًا للجميع»، وأن واشنطن تدرك أن انهيارها سيصيبها بالضرر الأكبر.
في المقابل، يشير خبراء آخرون، مثل مايكل بايرز من جامعة كولومبيا البريطانية، إلى أن كندا تمتلك هامشًا غير مباشر للمناورة، مثل تقليص أو تعليق الدعم اللوجستي الذي تقدمه كاسحاتها الجليدية لقاعدة أمريكية في شمال غرينلاند، وهو ما قد يضع الولايات المتحدة في موقف حرج دون تصعيد علني.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع الخلاف المزمن حول «الممر الشمالي الغربي»، الذي تعتبره كندا مياهًا داخلية خاضعة لسيادتها، بينما تصرّ الولايات المتحدة على اعتباره ممرًا دوليًا.
وتخشى أوتاوا من أن تُستخدم كاسحات الجليد الأمريكية الجديدة مستقبلًا لفرض أمر واقع في هذه المنطقة، ما قد يدفعها إلى إعادة تقييم مستوى تعاونها.
في المقابل، يرى خبراء أن فنلندا قد تتمتع بهامش تفاوضي أوسع، مستفيدة من العلاقة الشخصية الجيدة بين ترامب والرئيس الفنلندي.
ورغم كل التوترات والتهديدات المتبادلة، يتفق مسؤولون عسكريون سابقون على أن التعاون العملي بين الولايات المتحدة وكندا في القطب الشمالي سيستمر بعيدًا عن الأضواء، باعتباره ضرورة لا غنى عنها لضمان الاستقرار في منطقة شديدة الحساسية.