تاريخ الشرق الأوسط مليء باللحظات التي تختلط فيها الحقائق بالشكوك، وتصبح السياسة ساحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل الجيوسياسية المعقدة.
وفي مثل هذه اللحظات يعود سؤال قديم إلى الواجهة: هل ما يجري صراع واضح أم جزء من لعبة أكبر تشبه ما يسمى بنظرية المؤامرة؟
التصعيد الأخير في المنطقة، والضربات الصاروخية الإيرانية السافرة التي طالت الإمارات وبعض دول الخليج، يطرح سلسلة من التساؤلات الاستراتيجية التي يصعب تجاهلها.
فإيران أعلنت عبر مسؤوليها أنها لا تستهدف دول الخليج، بل تستهدف الوجود العسكري الأمريكي في هذه الدول، لكن هذا التبرير يفتح باباً لإشكالية خطيرة، لأنه يضع دول المنطقة عملياً في قلب مواجهة لا ترغب فيها من الأساس، رغم أنها أكدت مراراً التزامها بعدم التصعيد وسعت في حل كل الخلافات.
خلال السنوات الماضية، سعت دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، إلى تبني نهج مختلف في إدارة التوترات الإقليمية وتصفير كل المشاكل، فقد فضلت الدبلوماسية والانفتاح الاقتصادي وبناء الشراكات الدولية على منطق الصراعات التقليدية.
وكان الهدف من هذا النهج هو تحويل الخليج إلى مساحة استقرار اقتصادي وسياسي في منطقة تعاني أصلاً من أزمات متلاحقة، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى محاولة دفع المنطقة في اتجاه معاكس تماماً، فبدلاً من تقليص التوتر، يبدو أن هناك من يسعى إلى توسيع دائرة الصراع وإدخال أطراف جديدة فيه، وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا تتحول دول الخليج إلى ساحة استقبال رسائل صاروخية سافر في صراع تدور مواجهته الأساسية بين إيران وإسرائيل وأمريكا؟
هذا السؤال يتجاوز الجانب العسكري ليصل إلى أبعاد سياسية أعمق.. فالإمارات، على سبيل المثال، أصبحت خلال العقدين الماضيين أحد أبرز المراكز الاقتصادية في الشرق الأوسط، بل إن تأثيرها الاقتصادي والمالي يمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة.
ولذلك فإن أي محاولة لزعزعة استقرارها لا يمكن قراءتها بمعزل عن حسابات إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، كما أن التصريحات التي تطالب دول الخليج بالضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب تحمل في طياتها رسالة سياسية معقدة، فهي تحاول نقل عبء الصراع إلى دول لم تكن طرفاً فيه أساساً، وتضعها في موقف صعب بين الحفاظ على أمنها الوطني وبين إدارة علاقاتها الدولية.
المشكلة الأكبر في هذا المسار هو أنه يقوض الثقة التي حاولت دول المنطقة بناءها خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت المنطقة محاولات حوار وتفاهم مع إيران بهدف تقليل التوتر وبناء علاقات قائمة على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
لكن الأحداث الأخيرة تهدد بإعادة المنطقة إلى مربع الشكوك والصراعات.. في السياسة الدولية، الثقة هي العملة الأهم. وعندما تتآكل هذه الثقة يصبح من الصعب إعادة بناء جسور التواصل بسرعة، ولهذا فإن التصعيد الحالي قد تكون له آثار طويلة المدى تتجاوز اللحظة العسكرية الراهنة.
في النهاية، قد لا تكون نظرية المؤامرة هي التفسير الوحيد لما يحدث، لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التعقيد الجيوسياسي بين جيرانها.. مرحلة تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الحسابات الاقتصادية، وتتحول فيها بعض الدول إلى نقاط ارتكاز في صراع أكبر من حدودها.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً في المرحلة المقبلة هو: هل تسعى بعض الدول الإقليمية إلى جر المنطقة إلى مواجهة شاملة لكي تغطي على فشلها الاقتصادي أو السياسي، أم أن ما يحدث مجرد فصل جديد من فصول الصراع التقليدي في الشرق الأوسط؟
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة